في الأوساط المالية العالمية يتعامل كبار المصرفيين اليوم مع الذكاء الاصطناعي بوصفه محورًا أساسيًا في استراتيجياتهم، لا مجرد تقنية مساندة أو امتدادًا لمسار رقمي بدأ قبل سنوات. يتحدث مسؤولون في بنوك استثمارية وتجارية كبرى عن تحوّل في ترتيب المخاطر، حيث انتقل «الخطر التقني» من الهامش إلى الصفحات الأولى في مذكرات الاستثمار وتقارير إدارة المخاطر الداخلية. هذا التحول لا يرتبط فقط بتبني أدوات جديدة، بل بتقدير أن نموذج الأعمال في قطاعات كاملة يمكن أن يتعرض لإعادة صياغة جذرية عندما تصبح المهام المتكررة القائمة على قواعد قابلة للتنفيذ الآلي بواسطة نماذج لغوية وأنظمة خوارزمية متقدمة.
ضمن هذا المزاج الجديد يبرز موقف رئيس مجموعة استثمارية عالمية كبرى مثل بلاكستون، الذي يشغل رئيسه جون غراي منصبًا رئيسيًا في توجيه قرارات الاستثمار والتخارج. خلال مشاركته في فعاليات مالية دولية، شدد غراي على أن القطاعات القائمة على قواعد وإجراءات معيارية، من المحاماة إلى المحاسبة مرورا بالتمويل وإدارة المطالبات التأمينية، ستكون في قلب موجة اضطراب واسعة تقودها تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي والتحليلي. لا يقتصر الأمر على توفير وقت أو خفض تكاليف تشغيلية، بل يمتد إلى طرح سؤال وجودي حول حجم القوى العاملة المطلوبة وطبيعة الوظائف التي ستبقى بشرية، في مقابل الوظائف التي يمكن أن تتولاها برامج تتعلم من ملايين الوثائق والعقود والحالات السابقة.
في البنوك، يتجسد هذا التحول في برامج واضحة تهدف إلى بناء مؤسسات «مدعومة بالذكاء الاصطناعي» في كل طبقاتها. تتحدث إدارات عليا في مؤسسات مصرفية أمريكية وأوروبية عن خطط لتزويد كل موظف تقريبًا بمساعد افتراضي يعتمد على نماذج لغوية داخلية، يتولى إعداد المسودات الأولى للتقارير، واستخراج النقاط الجوهرية من ملفات معقدة، وتجميع البيانات من أنظمة متفرقة. في الوقت نفسه تعمل فرق تقنية متخصصة على تطوير «وكلاء» آليين يديرون دورات كاملة من العمل، مثل دراسة ملف ائتماني بسيط أو مراجعة إجراءات امتثال روتينية، من دون تدخل بشري إلا في الحالات الاستثنائية أو المعقدة.
هذه الرؤية تضرب في الصميم المهن القائمة على معالجة النصوص وتفسير القواعد وتطبيق اللوائح، وفي مقدمتها المحاماة والمحاسبة والتدقيق. تقليديًا كان المحامي الصغير أو المحاسب المبتدئ يقضي ساعات طويلة في قراءة العقود، ومراجعة البنود، ومقارنة الحالات الحالية بسوابق قضائية أو ضريبية. اليوم تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة أن تتولى جزءًا كبيرًا من هذا الجهد في دقائق، فتقترح الصياغات المناسبة، وتحدد بنود المخاطر، وتلفت النظر إلى التعارضات أو الثغرات. هذا لا ينفي الحاجة إلى الخبرة القانونية أو المحاسبية، لكنه يدفع بها نحو أدوار رقابية واستراتيجية، بينما تُسند الأعمال الروتينية والتجميعية إلى الخوارزميات.
من منظور صنّاع القرار في المؤسسات المالية، يترتب على ذلك إعادة نظر في التوظيف وتوزيع المهام. إذا أصبحت البرمجيات قادرة على إعداد نموذج مالي أولي أو مسودة عقد، فإن عدد المحللين المبتدئين أو المساعدين القانونيين المطلوبين لتنفيذ نفس حجم العمل سيتراجع على الأرجح خلال السنوات المقبلة. بالتوازي يزداد الطلب على كوادر تجمع بين فهم معمق للبيئة التنظيمية والقدرة على تصميم أو الإشراف على أنظمة ذكاء اصطناعي متخصصة، إلى جانب مهارات تواصل مع العملاء وشرح للمخرجات التقنية بلغة قانونية أو مالية مفهومة. بهذا المعنى لا تختفي المهن، بل يعاد تشكيلها حول حلقات أعلى من القيمة يصعب حوسبتها بالكامل.
في خلفية هذه التحولات تنشأ أيضًا فروق بين مؤسسات تستثمر مبكرًا في الذكاء الاصطناعي وتتنبه لمواطن الضعف في نماذج أعمالها، وأخرى تتعامل مع التقنية بوصفها موضة عابرة أو أداة تسويق أكثر منها رافعة هيكلية. المجموعة الأولى تسعى إلى دمج الذكاء الاصطناعي في قلب عملياتها القانونية والمالية، من صياغة العقود إلى الامتثال والرقابة الداخلية، وتراجع تعرضها لمخاطر أن تحل خدمات جديدة أكثر كفاءة محل عروضها التقليدية. أما الثانية فتغامر بأن تجد نفسها بعد سنوات قليلة في سوق تغيرت فيها معايير الإنتاجية والتسعير، بينما تستمر هي في الاعتماد على هياكل موارد بشرية كثيفة وطرق عمل لم تعد تنافسية.
بالنسبة للعالم العربي، حيث تتوسع قطاعات المصارف والخدمات القانونية والمحاسبية، يحمل هذا النقاش دلالات إضافية. فأسواق مثل الخليج والمغرب العربي تستثمر بقوة في البنى التحتية الرقمية وفي مراكز الخدمات المشتركة، ما يجعلها مرشحة لاستقبال موجة من حلول الذكاء الاصطناعي الموجهة للأعمال المكتبية والمالية. هذا يفتح فرصًا أمام الجيل الجديد من المحامين والمحاسبين للتخصص في تقاطع القانون والتقنية، والانتقال من تنفيذ المهام النمطية إلى تصميم الضوابط الأخلاقية والتنظيمية ودعم القرارات المعقدة. لكنه يتطلب في الوقت ذاته مراجعة مناهج التعليم والتدريب المهني، حتى لا تستمر الجامعات في تخريج كوادر معدّة لوظائف تآكلت بالفعل بسبب الأتمتة المتسارعة.
ما تقوله القيادات المالية الكبرى هو أن المهن «القابلة للبرمجة» لن تختفي بين ليلة وضحاها، لكنها تدخل فترة إعادة تعريف عميقة. من يمارسها في المحاكم والمصارف وشركات التدقيق سيضطر إلى إعادة بناء دوره حول ما لا تستطيع الآلة أن تقدمه: الحكم المهني، القراءة الشاملة للمصالح المتعارضة، القدرة على الإقناع والتفاوض، وتحمل مسؤولية القرار أمام العملاء والمؤسسات والجهات الرقابية. أما ما عدا ذلك من أعمال التجميع والصياغة الأولى والفحص المبدئي، فيبدو مرشحًا لأن يصبح المجال الطبيعي لوكلاء ذكاء اصطناعي يعملون ليلًا نهارًا بسرعة لا تقارن بما عرفته المهن المكتبية خلال القرن الماضي.