تواجه شركات التكنولوجيا الكبرى واقعا غير متوقع بعد سنوات من الترويج للذكاء الاصطناعي كأداة لخفض التكاليف، إذ بدأت تكتشف أن استخدام هذه التقنيات على نطاق واسع يؤدي إلى ارتفاع النفقات بشكل حاد بدلا من تقليلها. قررت مايكروسوفت إلغاء معظم تراخيص Claude Code الداخلية في قسم الأجهزة والتجارب، الذي يضم فرق تطوير ويندوز ومايكروسوفت 365 وأوتلوك وتيمز وسيرفيس، مع موعد نهائي في 30 يونيو 2026. وجهت الشركة مهندسيها للانتقال إلى GitHub Copilot CLI، وهي أداة داخلية أقل تكلفة.
نموذج التسعير يكشف المعادلة المعكوسة
السبب الرئيسي وراء هذا القرار ليس فشل الأداة، بل نجاحها المفرط الذي دفع المهندسين لاستخدامها بشكل مكثف. تعتمد أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة على نظام تسعير قائم على الرموز (tokens)، حيث تترجم كل عملية برمجية أو مراجعة كود أو إصلاح خطأ إلى استهلاك رموز تحتسب ماليا. على المستوى الفردي، تبقى التكاليف معقولة، لكن عندما يستخدم آلاف المهندسين الأداة يوميا، تتضاعف الأرقام وتتحول إلى بند مالي يفاجئ أقسام المحاسبة. تختلف هذه المعادلة جذريا عن البرمجيات التقليدية التي تكلف نفس المبلغ سواء استخدمها الموظف ساعة واحدة أو ثماني ساعات.
أوبر تستنزف ميزانيتها السنوية في أربعة أشهر
لم تكن مايكروسوفت وحدها في هذا المأزق، إذ استنفدت أوبر ميزانيتها الكاملة للذكاء الاصطناعي لعام 2026 في أربعة أشهر فقط بسبب نفقات الرموز. تراوحت التكاليف الشهرية للمهندس الواحد بين 500 و2000 دولار حسب كثافة الاستخدام. في موقف لافت، أنفق أحد التنفيذيين في الشركة 1200 دولار خلال عرض تقديمي استمر ساعتين فقط. أجبرت هذه الأرقام الشركات على بناء لوحات تصنيف لمراقبة استهلاك الموظفين للذكاء الاصطناعي .
مفارقة الاستثمار في أنثروبيك
تبرز المفارقة الأكبر في أن مايكروسوفت استثمرت 5 مليارات دولار في أنثروبيك، الشركة المطورة لـ Claude، ضمن شراكة استراتيجية مع إنفيديا التي ضخت 10 مليارات دولار إضافية. التزمت أنثروبيك بشراء 30 مليار دولار من قدرات الحوسبة السحابية من مايكروسوفت. لكن بعد أشهر قليلة من إعلان الشراكة في نوفمبر 2025، منعت مايكروسوفت استخدام المنتج نفسه داخليا بسبب ارتفاع تكاليفه.
تصريحات إنفيديا تكشف الحقيقة المسكوت عنها
أكد براين كاتانزارو، نائب الرئيس للتعلم العميق التطبيقي في إنفيديا، أن "تكلفة الحوسبة تتجاوز بكثير تكاليف الموظفين" بالنسبة لفريقه. يكشف هذا التصريح تناقضا صارخا مع الوعود التي قدمتها شركات التكنولوجيا الكبرى طوال عامين بأن الذكاء الاصطناعي سيخفض التكاليف ويحل محل العمالة البشرية. دراسة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 2024 وجدت أن أتمتة الذكاء الاصطناعي قابلة للجدوى اقتصاديا في 23% فقط من الوظائف، بينما يبقى البشر الخيار الأوفر في 77% من الحالات.
توقعات غولدمان ساكس تنذر بتفاقم الوضع
توقع بنك غولدمان ساكس أن يؤدي الذكاء الاصطناعي الوكيل (agentic AI) إلى زيادة استهلاك الرموز 24 ضعفا بحلول عام 2030، ليصل إلى 120 كوادريليون رمز شهريا. قدر البنك أن تطبيقات المستهلكين ستضاعف الاستهلاك 12 مرة، بينما ستشكل أحمال العمل المؤسسية أكثر من 70% من إجمالي استهلاك الرموز العالمي في ذروة التبني بحلول 2040. رغم أن شركة أبحاث غارتنر توقعت انخفاض تكاليف تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة بنسبة 90% بحلول 2030 مقارنة بعام 2025، إلا أنها حذرت من أن الرموز الأرخص لن تترجم إلى تكاليف أقل للمؤسسات. السبب يكمن في أن النماذج الوكيلة تتطلب رموزا أكثر بكثير لكل مهمة من النماذج القياسية، وأن الزيادة في الاستهلاك قد تتجاوز انخفاض أسعار الوحدات.
ردود أفعال مقدمي الخدمات
استجابة لهذا الارتفاع في الطلب، عدلت أنثروبيك نموذج تسعيرها، متحولة من رسوم ثابتة إلى نموذج قائم على الاستخدام، مما يعني أن الوكلاء المستقلين يتحملون الآن رسوما لكل رمز من استخدام الحوسبة. تواجه الشركات معضلة هيكلية، إذ كلما كانت الأداة أكثر فائدة، زاد استخدام المهندسين لها، وارتفعت الفاتورة تبعا لذلك. يفتح هذا الوضع تساؤلات جدية حول جدوى نموذج التسعير القائم على الرموز للاستخدام المؤسسي واسع النطاق.