نهضة الإبداع في زمن الذكاء الاصطناعي

أضيف بتاريخ 06/15/2026
منصة ذكاء

تطرح النقاشات الأكاديمية حول الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة سؤالاً محورياً يتعلق بمستقبل الإبداع البشري في بيئات عمل تتغير بسرعة تحت تأثير الأتمتة والخوارزميات المتقدمة. في هذا السياق، يقدم مقال نشره موقع «Kellogg Insight» في حزيران 2026 قراءة بحثية لعلاقة العاملين بالذكاء الاصطناعي، من زاوية الطريقة التي يعيد بها الأفراد ترتيب أولوياتهم المهنية عندما يزداد شعورهم بأن وظائفهم مهددة من أنظمة مؤتمتة. يندرج هذا العمل ضمن سلسلة إنتاج معرفي أوسع في كلية «Kellogg» لإدارة الأعمال، تناولت في السنوات الأخيرة أثر الذكاء الاصطناعي على الإبداع، والعمل، واستراتيجيات المؤسسات.



يستند المقال الذي حمل عنوان «Is AI Prompting a Creative Renaissance?» إلى أبحاث تجريبية أظهرت أن إدراك الأفراد لاحتمال فقدان وظائفهم لصالح أنظمة تلقائية يدفعهم إلى إبراز جانب الإبداع في مساراتهم المهنية وسيرهم الذاتية. وفق هذا الطرح، يختار كثير من العاملين، عند شعورهم بخطر الإقصاء التكنولوجي، إظهار أنفسهم كأشخاص يمتلكون مهارات يصعب استبدالها بخوارزمية، وفي مقدمتها القدرة على توليد أفكار جديدة أو صوغ حلول مبتكرة. ينعكس هذا الميل في لغة السير الذاتية، وفي الخطوات العملية التي يتخذها البعض لإعادة توجيه حياتهم المهنية نحو وظائف أو مجالات يُنظر إليها باعتبارها أكثر صموداً أمام الأتمتة.

يستعيد هذا النقاش أعمالاً أخرى في «Kellogg» درست التوتر القائم بين الذكاء الاصطناعي والإبداع البشري، من بينها مقال بعنوان «Will AI Kill Human Creativity?» الذي تناول المخاوف من أن تؤدي الأدوات التوليدية إلى إضعاف الحافز الشخصي على الابتكار. يقدم هذا العمل مثالاً عن أغنية أُنتجت بصوت مقلّد لأحد المغنين البارزين لإظهار كيف يمكن للآلة أن تنافس في مجالات فنية، وما يرافق ذلك من توجس لدى المبدعين حول مستقبل أدوارهم. في المقابل، يشير المقال نفسه إلى أن بعض الفنانين يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي كشريك يمكن الاستفادة منه، كما في حالة الفنانة «Grimes» التي أعلنت استعدادها لتقاسم العائدات مع من يستخدم نسخاً رقمية من صوتها لقاء نسبة محددة من الحقوق.

إلى جانب المخاوف، تظهر نتائج بحثية أخرى أن التفاعل مع منتجات الذكاء الاصطناعي قد يعزز ثقة الأفراد في قدراتهم الإبداعية بدلاً من تراجعها. ففي مقال آخر بعنوان «How AI can inspire creativity»، حلل الباحث جاكوب تيني مع زميلته تالي رايش ردود فعل مشاركين على أعمال إبداعية أُخبروا أنها من إنتاج آلة أو إنسان. بيّنت التجارب أن الأشخاص الذين شاهدوا العمل نفسه عندما نُسب إلى نظام ذكاء اصطناعي شعروا بثقة أكبر في قدرتهم على إنجاز مهمة إبداعية مشابهة، مقارنة بمن اعتقدوا أن العمل يعود إلى شخص آخر. يربط الباحثان هذا الأثر بصورة نمطية واسعة الانتشار ترى أن الآلة أقل براعة من البشر في الخلق الفني، ما يجعل المقارنة مع نظام آلي أقل تهديداً للذات من المقارنة مع إنسان.

يحضر سؤال الإبداع أيضاً في تجارب أجراها البروفيسور براين أوزي في «Kellogg» لتقييم علاقة الطلبة بالأدوات التوليدية، كما ورد في مقال «When It Comes to Creativity, AI Doesn't Always Have the Answer». اعتمد أوزي اختباراً بسيطاً طلب فيه من المشاركين توليد قائمة من عشر كلمات متباعدة الدلالات خلال أربع دقائق، ثم طلب منهم تكليف روبوت محادثة بالمهمة نفسها. أظهرت النتائج تقارباً ملحوظاً بين أداء الطلبة والآلة، مع تسجيل بعض المشاركين أداءً أكثر ابتكاراً من القوائم التي أنتجتها الخوارزمية. تحليل البيانات قاد إلى ملاحظة أن الآلة، رغم قدرتها النظرية على الوصول إلى مفردات عديدة، تميل عملياً إلى تدوير مخزون محدود نسبياً من الكلمات مقارنة بغنى اللغة البشرية.

يفسر أوزي هذه النتائج بالإشارة إلى أن الاعتماد على روبوتات المحادثة لتوليد الأفكار الأولى قد يحصر تفكير المستخدمين داخل ما تنتجه الخوارزمية، ما يحد من التنوع والجرأة في اقتراح البدائل. في المقابل، عندما يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتقديم منهجية تفكير أو إطار عمل، لا لإنتاج النتيجة النهائية، تتوسع خيارات المشاركين وترتفع درجاتهم في اختبارات الإبداع. من هذا المنطلق، يقترح أوزي تمييز ثلاثة أدوار رئيسية للذكاء الاصطناعي: الأتمتة التي تعيد إنتاج مهام قائمة، والبحث عن إجابات قائمة، ثم التحالف مع الإنسان في مهام تتطلب ابتكار حلول جديدة. يرى أن الطبقة العليا، حيث يتقاطع الإبداع مع الاستراتيجية والابتكار، تشكل المجال الذي يحتفظ فيه العامل البشري بأفضلية واضحة.

هذه الرؤية تتقاطع مع ما عرضه مقال «Is AI Prompting a Creative Renaissance?» من فكرة أن إحساس الأفراد بالتهديد يرتبط بإعادة توزيع الموارد الذهنية لصالح تطوير مهارات يصعب نسخها رقمياً. يتخذ هذا الميل أشكالاً متعددة، منها الاستثمار في تكوينات مهنية جديدة، أو إعادة توجيه المسار الوظيفي نحو مجالات تعتمد على الحكم الشخصي، أو تطوير مشاريع فردية تجمع بين مهارات تقنية وأخرى إبداعية. بالنسبة للعاملين في القطاعات الإعلامية، يتيح هذا المنظور إمكانية قراءة الذكاء الاصطناعي ليس فقط كمصدر منافسة، بل أيضاً كعامل ضغط يدفعهم إلى إعادة تعريف القيمة المضافة البشرية في غرف التحرير والمؤسسات الإعلامية.

بالنسبة لبيئات التعليم والعمل، تشير مقالات أخرى في «Kellogg Insight» إلى أن إدماج الذكاء الاصطناعي في الممارسات اليومية قد يشكل فرصة لإعادة تنظيم العلاقة بين المتعلم والأستاذ، وبين الموظف والمؤسسة. يناقش مقال «Say Hello to Your New AI Study Buddy» استخدام الطلبة لأدوات توليد النصوص في إنجاز الواجبات، وكيف يحاول بعض الأساتذة تحويل هذه الأدوات إلى وسيلة لتوسيع مهارات الطلبة بدلاً من الاقتصار على ضبط استخدامها. وتوضح مادة أخرى بعنوان «Take 5: AI's Past, Present, and Future» أن التفكير الاستراتيجي في تبني الذكاء الاصطناعي يتطلب من القيادات الإلمام بخلفية تاريخية وتقنية تسمح بتقدير أثر هذه الأدوات على العمل والإبداع في المدى الطويل.

تجمع هذه الأعمال البحثية والمقالات التحليلية الصادرة عن «Kellogg» على أن الذكاء الاصطناعي، رغم ما يثيره من مخاوف في الأوساط المهنية، لا يقود بالضرورة إلى انحسار الإبداع البشري. بل تذهب بعض النتائج إلى أن الأفراد قد يستثمرون هذا الشعور بالتهديد لإعادة ترتيب أولوياتهم المهنية وتطوير مهارات تجعلهم أقل عرضة للاستبدال الكامل بأنظمة مؤتمتة. في الوقت نفسه، تؤكد هذه الأبحاث أن الاستخدام غير النقدي للأدوات التوليدية قد يفضي إلى تجانس الأفكار وتقليص مساحة المفاجأة في الإنتاجات الثقافية والمعرفية. من هنا، تغدو كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي، وليس وجوده بحد ذاته، عنصراً محدداً لما إذا كان سيسهم في «نهضة إبداعية» أم في نمط إنتاج يحكمه التكرار.