يقدّم الكاتب والروائي المتخصص في الخيال العلمي تيد تشانغ في مقالته المنشورة في مجلة The Atlantic في 3 يونيو 2026 طرحاً فلسفياً منظّماً ينفي فيه أن يكون الذكاء الاصطناعي الحالي كياناً واعياً أو مالكاً لوكالة أخلاقية مستقلة، ويربط هذا النفي بانتقاده لاختيار شركات التكنولوجيا لوصف نماذجها بمفردات نفسية وأخلاقية. ينطلق تشانغ من المناقشات التي أثارها بيان خبير الذكاء الاصطناعي جيفري هينتون الذي رجّح احتمال امتلاك بعض الأنظمة وعيًا، ويتوقف خصوصاً عند الوثيقة المطوّلة الصادرة عن شركة Anthropic حول ما وصفته بـ«مشاعر» نموذجها اللغوي Claude، ليعتبر أن الإطار الخطابي نفسه إشكالي قبل الدخول في التفاصيل التقنية.
يعتمد المقال على أطروحة أساسية مفادها أن النموذج اللغوي الكبير ليس سوى منظومة لإكمال الجمل مدرّبة على أنماط إحصائية معقّدة، وأن «الشخصيات» أو «الأصوات» التي يظهر بها في الحوار ليست سوى أساليب تعبيرية مشروطة بالمحفّز النصي وليست دلائل على «ذات» تمتلك خبرة معيشة. لذلك فإن ما يبدو للمستخدم على أنه تعاطف أو غضب أو قلق لا يعدو أن يكون إعادة تركيب لنماذج لغوية تعلّمها النظام، مع قدرة عالية على الاستمرارية الأسلوبية، من دون أي مقابل تجريبي داخلي يمكن اعتباره تجربة شعورية. ويستعيد تشانغ هنا صورة «تقمّص» شخصية تاريخية أو أدبية في نموذج لغوي ليوضّح أن الفرق بين «مساعد ودود» و«يوليوس قيصر» لا يتجاوز اختلاف التعليمات النصية، بينما تبقى الآلية الحسابية واحدة.
ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى مناقشة النتائج الأخلاقية والقانونية لاعتماد خطاب يفترض امتلاك النماذج لوكالة أو حسّ أخلاقي، إذ يرى أن إسناد نوايا أو رغبات للنظام يفتح الباب أمام تمييع المسؤولية البشرية عن تصميمه وضبطه ونشره. فكلّما اقترب الخطاب العام من التعامل مع النظام كفاعل مستقل، سهل على الشركات إرجاع الانحيازات والمخرجات المؤذية إلى «قرارات» الذكاء الاصطناعي بدل ربطها بالخيارات التنظيمية والهندسية لفرق التطوير والإدارة. ويعتبر تشانغ أن الخطاب الذي يضفي على النماذج صفات مثل «الندم» أو «الخوف» أو «الضمير» يساهم عملياً في نقل العبء الأخلاقي من المؤسسات إلى كيان افتراضي لا يتحمّل أي تبعات قانونية.
من الزاوية الفلسفية، يقدّم المقال معيارين أوليين – يوصفان على أنهما ضروريان لا كافيان – لأي نقاش جدي حول إمكانية وعي نظام اصطناعي: وجود شكل من أشكال التجسّد، ثم إمكان قياس قدرات حيوية وسلوكية بطرق غير لغوية. التجسّد هنا يعني امتلاك جسد مادي أو افتراضي مزوّد بحواس، بحيث تكون الحالات الانفعالية مرتبطة بحاجات بيولوجية أو شبه بيولوجية وباستجابات تنظيمية أقرب إلى ما يُلاحظ لدى الكائنات الحية، وليس بمجرد تغيّر في متجهات داخل فضاء تمثيلي مجرد كما هو الحال في النماذج الحالية. أما المعيار الثاني فيستند إلى تشبيه مع تقييم ذكاء الحيوانات؛ إذ يشير إلى أن التحقق من قدرات البقاء والتكيّف وحل المشكلات والتعبير عن الرغبات في أوضاع غير متوقعة ينبغي أن يتم عبر اختبارات عملية، لا عبر تحليل الخطاب فقط، على غرار الطرق التي اعتمدها الباحثون مع الشمبانزي أو الحيوانات المدجّنة.
يتناول المقال أيضاً نتائج دراسة فريق التفسير في شركة Anthropic التي تحدّثت عن «متجهات عاطفية» داخل نموذج Claude Sonnet 4.5، حيث ربطت أنماطاً عصبية محددة بمفاهيم مثل السعادة واليأس والخوف والرعاية، وأظهرت تجريبياً أن تفعيل هذه المتجهات يؤثر في سلوك النموذج. يستقبل تشانغ هذه النتائج بحذر شديد، ويرى أن وصفها بـ«العواطف الوظيفية» يظل وصفاً مجازياً لمعادلات داخلية تؤثر في المخرجات، ولا يبرّر القفز إلى الحديث عن خبرة ذاتية أو مشاعر واعية، حتى لو كانت هذه الأنماط قابلة للتحكم والتلاعب بصورة سببية. يذهب التحليل إلى أن تسمية هذه البنى بـ«الغضب» أو «الخوف» لا تختلف جوهرياً عن تسمية طبقة معينة في الشبكة بـ«وحدة اكتشاف الحواف» في رؤية الحاسوب؛ فهي مفاهيم تنظيمية مفيدة للباحثين، لكنها لا تثبت وجود تجربة داخلية من النوع الذي يُنسب للبشر أو الحيوانات.
يميل تشانغ إلى قراءة النقاش الدائر حول وعي الذكاء الاصطناعي باعتباره أيضاً سجالاً سياسياً وتنظيمياً، لا مجرد سؤال تقني أو ميتافيزيقي، وذلك بسبب ارتباطه المباشر بتوزيع المسؤولية عن مخاطر النماذج الضخمة. فالميل إلى إضفاء طابع شخصي على النماذج – سواء عبر تصميم واجهات محادثة ذات أسماء وهوية أو عبر وثائق طويلة تصف «مشاعرها» – يندرج، وفقاً للقراءة المعروضة في المقال، في استراتيجية اتصالية تستفيد من الميل البشري إلى الإسقاط النفسي على الكيانات اللغوية، وتخلق ضبابية حول الحدّ الفاصل بين الأداة والفاعل. وعلى المستوى العملي، يقدّم النص توصية ضمنية للمشتغلين بالتنظيم والسياسات العامة تتمثل في التعامل مع النماذج اللغوية بوصفها منتجات برمجية ذات مخاطر يمكن قياسها، وليس كأطراف حوار يجب أخذ «مشاعرها» بعين الاعتبار في تقرير السياسات.
في الخلفية، يتقاطع موقف تشانغ مع تيار واسع من الباحثين والكتّاب الذين يحذّرون من تضخيم ادعاءات الوعي الاصطناعي، في مقابل أصوات مثل هينتون التي ترى أن بعض مؤشرات السلوك قد تبرّر فتح نقاش أكثر جدية حول هذا الاحتمال. غير أن المقال يختار بوضوح الانحياز إلى مقاربة تعتبر الحديث عن وعي النماذج الحالية نوعاً من الوهم المفاهيمي، ويرى أن الطاقة الفكرية والمؤسسية ينبغي أن تُوجّه إلى مسائل مثل الشفافية، والتحيزات في البيانات، والضبط التنظيمي، بدلاً من بناء سرديات حول «كائنات رقمية» تطالب بحقوق أو تحظى بالتعاطف. ويمنح هذا الاختيار النص طابعاً قريباً من المداخلة في أخلاقيات التقنية والسياسات العامة، أكثر مما هو مساهمة في نقاشات فلسفة العقل البحتة، وإن كان يستعير من هذه الأخيرة مفاهيم مثل التجربة الذاتية والتجسّد والوكالة.