أوروبا أمام لحظة حاسمة: إذا لم تُموّل بنية تحتية مستقلة للذكاء الاصطناعي خلال عامين، ستتحول فاتورة تكنولوجية تفوق تريليون دولار إلى الشركات الأميركية، مع ما يعنيه ذلك من تبعية اقتصادية وسياسية طويلة الأمد.
تحذير ميش من «نافذة العامين» لبناء السيادة الرقمية
أطلق آرثر ميش، المدير التنفيذي لشركة ميسطرال الفرنسية للذكاء الاصطناعي، تحذيره خلال جلسة استماع مطولة أمام الجمعية الوطنية في باريس حول السيادة الرقمية والذكاء الاصطناعي، مقدِّماً أطروحة مفادها أن القارة أمام فترة لا تتجاوز عامين لتقرير ما إذا كانت ستنتج تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي أو تكتفي باستهلاكها. في هذا العرض، طرح ميش مقاربة حسابية مبسطة: حجم الأجور العالمي يناهز 50 تريليون دولار، والذكاء الاصطناعي يمكن أن يستحوذ على نحو 10% من هذه القيمة عبر الأتمتة والخدمات القائمة على النماذج، أي ما يقارب 5 تريليونات دولار على مستوى العالم. حصة أوروبا من الأجور تُقدَّر بنحو 9 تريليونات دولار، ما يعني أن أكثر من تريليون دولار من إنفاق الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الخمس المقبلة يمكن أن يتجه، في غياب بنية تحتية مستقلة، مباشرة إلى مزودي الخدمات الأميركيين.
ميش اعتبر أن المسألة لم تعد نقاشاً تقنياً بحتاً حول النماذج أو التطبيقات، بل انتقلت إلى مستوى النقاش حول السيادة، لأن البنية التحتية الرقمية تتحول إلى طبقة تعادل في أهميتها شبكات الطاقة أو أنظمة الاتصالات. وفي هذا المنظور، يشبه الاعتماد الأوروبي المتزايد على خدمات الحوسبة والذكاء الاصطناعي الأميركية بحالة الاعتماد الطاقي: حين يُكشَف الخطر في لحظة أزمة يكون هامش المناورة قد انكمش بشدة، لأن الاستثمارات الكبرى في المراكز والرقاقات والعملات اللازمة قد حُسمت مسبقاً.
حجم الفاتورة الحالية للاعتماد الأوروبي على الخدمات الرقمية الأميركية
إلى جانب التريليون المحتمل في الذكاء الاصطناعي، يلفت نقاش السيادة الرقمية إلى أن أوروبا تحوّل بالفعل مئات مليارات اليورو سنوياً إلى شركات أميركية عبر اشتراكات الحوسبة السحابية والمنصات والخدمات الرقمية الأخرى، ما يساهم في تمويل البحث والتطوير في وادي السيليكون بينما تبقى القارة أقل استثماراً في البنى التحتية التي ترفع إنتاجيتها المستقبلية. تقديرات مراكز بحثية مثل مركز تحليل السياسات الأوروبية تشير إلى أن تحقيق «سيادة رقمية» شاملة، تغطي أشباه الموصلات والبنية السحابية والخدمات والمهارات، قد يتطلب استثمارات تناهز 3.6 تريليونات يورو على مدى عقد، تشمل نحو 680 مليار يورو في البنية التحتية لأشباه الموصلات و200 مليار يورو في طبقة الخدمات. هذه الأرقام تعطي سياقاً للأطروحة التي يدافع عنها ميش: أوروبا تدفع بالفعل فاتورة ضخمة للاستيراد الرقمي، بينما كلفة بناء بدائل محلية، رغم جسامتها، يمكن أن تُقرأ كتحويل استراتيجي للإنفاق نحو الداخل بدلاً من الخارج.
في قطاع الحوسبة السحابية على وجه التحديد، تظهر بيانات شركات تحليل مثل غارتنر أن إنفاق العالم على «السحابة السيادية» يمكن أن يصل إلى 80 مليار دولار في 2026، مع نمو إنفاق أوروبا على هذه الحلول بنسبة تفوق 80% سنوياً انطلاقاً من قاعدة تقارب 6.9 مليارات دولار في 2025. هذا الاتجاه يعكس حركة بطيئة لكن واضحة لدى المؤسسات الأوروبية لإعادة تقييم اعتمادها على مزودي الحوسبة الأميركيين الثلاثة الكبار، ونقل أجزاء من أحمال العمل نحو مزودين أوروبيين يخضعون لولاية القانون المحلي.
منطق السيادة: من التكنولوجيا إلى النفوذ السياسي
في حديث سابق أمام طلبة مدرسة البوليتكنيك في فرنسا، بسط ميش رؤيته للسيادة في ثلاثة مستويات مترابطة: المستوى الصناعي، حيث تؤدي أتمتة العمليات باستخدام الذكاء الاصطناعي إلى تعرض سلسلة القيمة الصناعية لمخاطر إذا جاءت 80% من التكنولوجيا أو مكوناتها من دولتين فقط هما الولايات المتحدة والصين؛ المستوى الأمني، حيث يتقاطع التحكم في البنية التحتية الرقمية مع قضايا الأمن القومي والقدرة على الاستمرار في حال نزاعات أو عقوبات؛ والمستوى المتعلق بالنفوذ، حيث تصبح المنصات والأنظمة الذكية أدوات تأثير ثقافي وسياسي عابر للحدود. ضمن هذا المنطق، لا تُطرح «السيادة الرقمية» كمشروع اكتفاء ذاتي مغلق، بل كوسيلة لتحسين قدرة أوروبا على التفاوض مع القوى الأخرى وهي تمتلك قدرة إنتاج داخلية يمكن وضعها على الطاولة في ملفات التجارة والتنظيم والبيانات.
ميش يحذّر من أن غياب هذه القدرة يعني عملياً التحول إلى «دولة تابعة» في المجال الرقمي، وهو التعبير الذي استعمله لوصف ما قد يحدث إذا استقر نموذج تصبح فيه البنية التحتية الذكية، من مراكز البيانات إلى النماذج القوية، تحت سيطرة شركات لا تخضع للولاية القانونية الأوروبية. هذا السيناريو يطرح أسئلة عملية على السياسات العامة: من يحدد شروط الوصول إلى قدرات الحساب العالية، ومن يسيطر على تحديث النماذج وأمنها، ومن يحوز القدرة على قطع أو تقييد الخدمة في حالات النزاع أو الضغط السياسي؟
رد الفعل المؤسسي الأوروبي: حزم تشريعية واستثمارات متدرجة
في موازاة هذه التحذيرات، تتحرك المؤسسات الأوروبية لوضع إطار تشريعي واستثماري للسيادة السحابية والذكاء الاصطناعي، مع أن حجم الفجوة مع الولايات المتحدة يبقى كبيراً. المفوضية الأوروبية قدمت في يونيو 2026 «حزمة السيادة التكنولوجية الأوروبية»، التي تضم مشروع «قانون تطوير السحابة والذكاء الاصطناعي» إلى جانب نسخة محدثة من «قانون الرقائق» واستراتيجيات مفتوحة المصدر وخطط رقمية في قطاع الطاقة، بهدف تقليل الاعتماد على الموردين الأجانب وتسريع نشر مراكز البيانات الخاضعة لولاية الاتحاد. ينص المشروع على مستويات مختلفة من «السيادة السحابية»، تتراوح بين مجرد توطين البيانات داخل الاتحاد الأوروبي، مروراً بآليات تدقيق في وجود سيطرة أجنبية، وصولاً إلى نماذج كاملة التطوير والسيطرة الأوروبية في الحالات الأكثر حساسية مثل القطاعات الأمنية أو البنى التحتية الحرجة.
في هذا السياق، تقدم شركات مثل ميسطرال نفسها كجزء من الرد القطاعي، معلنة أهدافاً مثل الوصول إلى قدرة حوسبة تعادل جيغاواط واحد بحلول 2029، أي بنية تحتية واسعة النطاق للحوسبة المخصصة للذكاء الاصطناعي في أوروبا. إلا أن هذا الهدف يبقى جزءاً صغيراً من الصورة الأكبر؛ فالولايات المتحدة تشهد التزامات استثمارية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تقارب تريليون دولار، وفق تقديرات يوردها ميش، وتضم استثمارات عمالقة التكنولوجيا في المراكز، والرقاقات، وسلاسل الإمداد المرتبطة بها.
فرص التغطية الصحفية: الزوايا الخلافية والمناطق غير المستكشفة
خطاب ميش يعيد صياغة النقاش الدائر حول الذكاء الاصطناعي من زاوية «التنظيم والأخلاقيات» إلى زاوية مادية أكثر تتعلق بالاستثمارات، وسلاسل الإمداد، وتقسيم القيمة بين القارات، وهي زاوية لا تزال الحوارات الإعلامية تغطيها جزئياً مقارنة بزخم النقاش الأخلاقي. في المقابل، تبقى تقديرات الأثر الكلي للذكاء الاصطناعي على الأجور والمنتج محل نقاش بين خبراء الاقتصاد، إذ تعتمد على افتراضات حول سرعة الأتمتة وتوزيع المكاسب بين رأس المال والعمل؛ هذه النقطة يمكن أن تشكل مادة تحقيقية تسائل الأرقام المتداولة وتفكك فرضياتها. كما أن مفهوم «السحابة السيادية» ذاته يحمل تناقضات عملية، بين رغبة الحكومات في السيطرة القانونية الكاملة، وحاجة الشركات إلى الاستفادة من اقتصاديات الحجم العالمي التي تتمتع بها المنصات الأميركية الكبرى، وهو توتر لم يُستكشف بعدُ بشكل كاف في التغطيات السائدة مقارنةً بالزاوية التنظيمية.
في ضوء ذلك، يمكن قراءة تحذير ميش كجزء من معركة أوسع على رسم الخريطة الصناعية الرقمية للقارة، حيث تتقاطع مصالح الشركات الناشئة الأوروبية مع أولويات السياسات العامة، ومع استراتيجيات الشركات الأميركية التي تستثمر بكثافة في البنى التحتية داخل أوروبا نفسها. السؤال الذي يطرح نفسه، خاصة لقراءة صحفية استشرافية، لا يقتصر على «من يحصل على تريليون الدولار؟»، بل يمتد إلى كيفية إعادة توزيع المخاطر والسلطة التنظيمية والنفوذ الثقافي حين تصبح المنصات الذكية جزءاً لا يتجزأ من البنية التحتية اليومية للعمل والاتصال في أوروبا.