من أجهزة الـGPS إلى الذكاء الاصطناعي: قلق قديم بثوب جديد
ينطلق تقرير مطول نشرته هيئة الإذاعة البريطانية BBC في قسم Future من ملاحظة أن المخاوف الحالية حول الذكاء الاصطناعي امتداد لسلسلة أوسع من القلق العلمي بشأن أثر التكنولوجيا على القدرات المعرفية، من أجهزة تحديد المواقع التي أضعفت مهارة رسم الخرائط الذهنية إلى محركات البحث التي قلّلت من اعتمادنا على الذاكرة المباشرة للمعلومات. يستعيد التقرير أيضاً مصطلح «الخرف الرقمي» الذي انتشر قبل نحو عقدين لوصف مخاطر الإفراط في استخدام الأجهزة الرقمية، قبل أن تُظهر مراجعة منهجية لـ57 دراسة شملت أكثر من 411 ألف مشارك، شارك في إعدادها الأخصائي العصبي السريري جاريد بنج، عدم وجود أدلة قوية على أن استخدام التكنولوجيا بحد ذاته يسرّع التدهور المعرفي، بل إن بعض أنماط الاستخدام ارتبطت بانخفاض هذا الخطر. بهذا المعنى، يضع التقرير الذكاء الاصطناعي ضمن سياق تاريخي أوسع لتطور الأدوات التي تعيد توزيع العبء الذهني ولا تلغيه بالكامل.
المقايضة بين العملية والمنتج
يركز التقرير على ما يسميه عالم الأعصاب آدم غرين من جامعة جورجتاون «المقايضة بين العملية والمنتج» عندما نستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي في الكتابة أو التحليل أو الحلول الإبداعية. فبدلاً من المرور بالمسار الكامل للتفكير، ما بين صياغة الفرضيات ومراجعة المصادر وبناء الحجج، توفر هذه الأدوات منتجاً نهائياً يبدو غالباً متماسكاً ولغوياً مصقولاً، لكن من دون أن يخوض المستخدم التجربة الذهنية نفسها التي تنظّم وتطوّر الشبكات العصبية في الدماغ. يستعين غرين بتشبيه «الروبوت الذي يرفع الأثقال في صالة الرياضة» ليقول إن تحسين المخرجات لا يعني بالضرورة تدريب العضلات التي يفترض أن تقوم بالجهد، ما يفتح الباب أمام تراجع تدريجي في القدرة الذاتية على الإنجاز الذهني حين تصبح الآلة هي المسار الافتراضي لكل مهمة.
الاستسلام المعرفي وأثر غوغل
من زاوية أخرى، يتناول التقرير مفهوم «الاستسلام المعرفي» الذي توصلت إليه دراسات أولية حول استخدام النماذج اللغوية، حيث أظهرت أن المستخدمين كثيري الاعتماد على هذه النماذج يميلون إلى تسجيل درجات أدنى في اختبارات التفكير النقدي، مقارنة بمن يستخدمونها بشكل أكثر انتقائية. يفسر الباحث هنك لي من جامعة كارنيغي ميلون هذا النمط بكون من يفتقرون إلى معرفة عميقة بالموضوع يكونون أكثر عرضة لقبول مخرجات الذكاء الاصطناعي بلا تمحيص، لأنهم يفتقدون إلى الأساس المرجعي اللازم لتقييم صحة ما تقدمه الأداة. يتقاطع هذا مع مشاهدات سابقة حول «أثر غوغل» الذي جعل الأفراد أقل ميلاً إلى حفظ المعلومات التي يدركون سهولة استرجاعها رقمياً، ما يعزز فكرة أن سهولة الوصول يمكن أن تُضعف من تلقاء نفسها الدوافع الداخلية لمراكمة الذاكرة والخبرة.
كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي دون أن يُضعف تفكيرك
إزاء هذه المخاطر المحتملة، يقدّم التقرير حزمة من التوصيات العملية لاستخدام الذكاء الاصطناعي بشكل يحافظ على اللياقة الذهنية بدلاً من إضعافها. من بين هذه التوصيات أن يبدأ المستخدم دائماً بمحاولة فهم الموضوع أو صياغة الحل أو الخطوط العريضة للنص قبل اللجوء إلى الأداة، بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لاختبار الفرضيات أو تحسين الصياغة أو كشف الثغرات، وليس بديلاً كاملاً عن التفكير الأولي. كما يشجع التقرير على إدخال قدر مقصود من «الاحتكاك» في عملية البحث والتعلّم، مثل تدوين الملاحظات يدوياً، أو محاولة حل جزء من المشكلة قبل طلب المساعدة من نموذج لغوي، أو استخدام الأداة لإنشاء أسئلة واختبارات ذاتية بدلاً من الاكتفاء بالمُلخّصات السريعة.
الإبداع والانتباه في زمن الأدوات الذكية
يتطرق التقرير أيضاً إلى البعد الإبداعي، ويرى أن الاعتماد المكثّف على الذكاء الاصطناعي في توليد الأفكار يمكن أن يقود إلى إنتاج أكثر نمطية وأقل فرادة، لأن النماذج تعمل أساساً عبر استقراء الأنماط السائدة في البيانات التي دُرِّبت عليها. يشير الخبراء المشاركون في التقرير إلى أن الدماغ البشري يطوّر قدرته الإبداعية عبر السماح بظهور روابط غير متوقعة بين معارف وتجارب مختلفة، وهي عملية تتطلب وقتاً ومساحة للتفكير الحر لا يمكن اختزالها في طلب مباشر إلى برنامج. لذلك ينصحون بترك مرحلة «العصف الذهني الخام» دون تدخل من الذكاء الاصطناعي قدر الإمكان، ثم استخدام الأدوات لاحقاً لتطوير ما تم إنتاجه أو نقده أو ربطه بمصادر إضافية. أما بخصوص الانتباه والتركيز، فيعاين التقرير أثر الإغراء المستمر للجوء إلى الذكاء الاصطناعي لتلخيص النصوص الطويلة، ويرى أن هذه الممارسة قد تضعف تدريجياً القدرة على تحمّل القراءة المتعمقة أو «الجلوس مع مشكلة صعبة» لفترة كافية، لذلك يوصي بالامتناع عن طلب الملخصات الآلية فوراً ومحاولة تكوين موقف أولي خاص بالقارئ قبل اللجوء إلى الأداة.
القيمة المستقبلية للتفكير المستقل
يذكّر التقرير في خلاصته بأن الأبحاث حول الأثر المعرفي طويل الأمد للذكاء الاصطناعي ما زالت في طور مبكر، وأن معظم النتائج المتاحة إما استقراءات من تجارب تكنولوجيات سابقة أو دراسات محدودة النطاق والمدة الزمنية. يلفت الأخصائيون المشاركون إلى أن الدماغ البشري يمتلك قدرة عالية على التكيّف مع الأدوات الجديدة، وأن التاريخ يبيّن أن ظهور تقنيات مثل السيارات أو الحواسيب لم يُلغِ القدرات الجسدية أو العقلية السابقة بل أعاد تنظيم استخدامها وأوجه تمرينها. لكنهم يرون أن القيمة المستقبلية للأفكار البشرية «الفريدة» قد ترتفع تحديداً لأن الأتمتة تجعل الإنتاج المتشابه أكثر وفرة، ما يخلق حافزاً إضافياً لحماية مهارات الحكم المستقل والابتكار الشخصي في زمن تتوسع فيه أدوات الذكاء الاصطناعي في كل مجالات العمل والتعلّم.