بدأت أوروبا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي المتقدّم كبنية تحتية حساسة، لا كمجرد أداة تقنية عابرة. هذا ما يكشفه التحرك النمساوي الأخير الذي وضع على طاولة بروكسل سؤالاً جوهرياً: من يملك حق "إيقاف التشغيل" عن الذكاء الاصطناعي الذي تعتمد عليه القارة العجوز؟
السياق: حين أصبحت القدرة على الوصول إلى النماذج أهم من القدرة على بنائها
وفقاً لما نشرته وكالة رويترز، حثّت النمسا الاتحاد الأوروبي على إقناع Anthropic بتأسيس جزء من نشاطها في أوروبا، مستفيدةً من القوانين الأوروبية، والعملاء، ورؤوس الأموال، والبنية التحتية للاتحاد، بهدف تقليص اعتماد الكتلة الأوروبية على الذكاء الاصطناعي الخاضع للسيطرة الأمريكية. جاء هذا الطلب في رسالة وجّهها ألكسندر برول، سكرتير الدولة النمساوي لشؤون التحول الرقمي، إلى هينا فيركونن، مفوضة التكنولوجيا في الاتحاد الأوروبي. وقد أكد برول في رسالته أهمية ألا تُحرَم أوروبا من الابتكارات الكبرى، داعياً إلى "استكشاف سبل التأسيس الاستراتيجي ومشاركة Anthropic داخل الاتحاد الأوروبي، مع توفير اليقين القانوني، والوصول إلى الأسواق، ورأس المال، ومنظومة قيم تتناسب مع هذه الشركة". اللافت أن برول نفسه لم يحدد آلية تنفيذ هذه الخطوة، بل اعترف صراحةً بوجود شكوك جدية حول إمكانية تحقيقها على الإطلاق.
لماذا الآن؟ خلفية الأزمة بين واشنطن وأوروبا
هذا التحرك لم يأتِ من فراغ. فقد سبقه قرار أمريكي يقضي بفرض ضوابط تصدير صارمة على أحدث نماذج Anthropic، وهما Fable 5 وMythos 5، اللذان يُعدّان من أقوى الأنظمة التي طورتها الشركة على الإطلاق. وقد استجابت Anthropic لهذا القرار بتعطيل الوصول إلى هذين النموذجين لجميع المستخدمين خارج الولايات المتحدة، قبل أن تسمح واشنطن لاحقاً باستعادة محدودة لبعض الخدمات. هذه الواقعة تركت أثراً عميقاً في الأوساط الأوروبية: فقد اكتشفت الحكومات والمؤسسات خارج الولايات المتحدة أن وصولها إلى أفضل النماذج المتاحة يمكن أن يُسحب بقرار سيادي من دولة ثالثة، في أي وقت، ودون سابق إنذار.
جوهر المشكلة: نقل الخوادم ليس نقلاً للسلطة
هنا تكمن المعضلة الحقيقية التي يطرحها هذا المقترح. فحتى لو أقامت Anthropic مرافق تشغيلية داخل الأراضي الأوروبية، فإن الشركة تبقى أمريكية الهوية القانونية؛ إذ تظل ملكيتها، وهيكل حوكمتها، وموظفوها الأساسيون، وبنيتها التحتية المخصصة لتدريب النماذج، خاضعة بالكامل لضوابط التصدير الأمريكية. بمعنى آخر، يمكن لواشنطن أن تستمر في تقييد الوصول إلى أكثر نماذج الشركة تقدماً بالنسبة للمستخدمين الأجانب، حتى لو كانت الخوادم التي تشغّل هذه النماذج موجودة فعلياً على أراضٍ أوروبية. فالسيطرة لا ترتبط بموقع الأجهزة، بل بمن يملك حق القرار القانوني والمؤسسي فوقها.
حجة النمسا: الاستقلالية أهم من السهولة
لم يحاول برول تصوير هذا المسار على أنه سهل التحقيق. فحجته الأساسية لا تتعلق بسهولة التنفيذ، بل بمبدأ استراتيجي أعمق: لا ينبغي لأوروبا أن تراهن بالكامل على أنظمة ذكاء اصطناعي قد تصبح غير متاحة بين عشية وضحاها بسبب قرار سياسي أمريكي. وقد عبّر برول عن هذا التوجه بوضوح حين طرح السؤال الجوهري: هل يقبل الأوروبيون أن يكونوا صانعي مستقبلهم التقني، أم يفضّلون البقاء مجرد مديرين لقرارات تُتخذ في مكان آخر؟
أوروبا تتحرك على جبهات متعددة لتقليص الاعتماد التقني
لا يأتي هذا المقترح في سياق منعزل. فقد سبق ذلك أن قدّمت المفوضية الأوروبية تشريعات تهدف إلى تعزيز قطاعات السحابة والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات المحلية، في خطوة تسعى للحد من الاعتماد على شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى، وذلك على الرغم من الانتقادات الأمريكية لهذا التوجه الأوروبي. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن لأوروبا فعلاً أن "تستقطب" عقلاً تقنياً لا يزال مرتبطاً ببنية صناعية وطاقية ضخمة لا تمتلكها القارة بعد؟ أم أن هذا المقترح يظل، في جوهره، إشارة سياسية أكثر من كونه خطة عملية قابلة للتنفيذ؟