قدّم مركز الابتكار في الصحة الإلكترونية التابع لجامعة محمد الخامس بالرباط، يوم 8 يوليوز 2026، كتابه الأبيض الثالث المخصص للذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي، واضعاً وثيقة مرجعية تسعى إلى تأطير إدماج هذه التكنولوجيا ضمن الممارسة الطبية والتنظيم الصحي. العمل الجديد لا يكتفي بالتشخيص، بل يقترح مسارات تطبيقية تستند إلى معطيات ميدانية وخبرات متعددة التخصصات.
الوثيقة جاءت نتيجة مساهمة شبكة واسعة من الفاعلين تضم أطباء وباحثين ومؤسسات عمومية وشركات ناشئة، إضافة إلى خبراء دوليين في الصحة الرقمية. هذا التنوع انعكس في المقاربة المعتمدة، حيث تم التركيز على ملاءمة الحلول التقنية مع احتياجات المنظومة الصحية المغربية، بدل استنساخ نماذج جاهزة. ويستند هذا التوجه إلى تجارب دولية موثقة، من بينها توصيات منظمة الصحة العالمية بشأن الذكاء الاصطناعي في الصحة، التي تضع الأطر الأخلاقية والتنظيمية كشرط مسبق لأي نشر واسع لهذه التقنيات.
في العرض المؤسسي، جرى التأكيد على أن المشروع يتجاوز البعد الأكاديمي، ليشكل أداة تدخل في النقاش العمومي المرتبط بمستقبل الرعاية الصحية. ويُفهم من هذا التموقع أن الجامعة تسعى إلى لعب دور منتج للسياسات، لا مجرد فاعل معرفي. كما تم التشديد على أن الذكاء الاصطناعي يتيح الانتقال نحو طب أكثر استباقية، يعتمد على تحليل البيانات للتنبؤ بالمخاطر الصحية قبل وقوعها.
من الناحية التقنية، يركز الكتاب على تطبيقات عملية تشمل تحسين دقة التشخيص عبر الخوارزميات، تسريع البحث الطبي الحيوي، وتطوير أدوات دعم القرار السريري. هذه الاستخدامات تتقاطع مع اتجاهات عالمية، حيث تشير دراسة منشورة في Nature Medicine حول الذكاء الاصطناعي والتشخيص الطبي إلى أن أداء بعض النماذج بات يضاهي أداء الأطباء في مجالات محددة، خصوصاً في تحليل الصور الطبية.
في المقابل، يطرح الكتاب إشكاليات بنيوية تتعلق بالبيانات. التحدي المطروح لا يرتبط فقط بجودة المعطيات، بل بقدرتها على التراكم والتكامل على نطاق واسع. هذا المعطى ينسجم مع ما يشهده القطاع عالمياً، حيث تعتبر البيانات الصحية المورد الأساسي لتدريب النماذج الذكية، وهو ما يفرض بناء بنى تحتية قادرة على استيعابها ومعالجتها.
البعد القانوني يحضر بقوة في الوثيقة، خصوصاً من خلال مداخلات اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي. المقاربة المعتمدة تقوم على تنظيم تدفق البيانات وليس تقييده، عبر ضمان الامتثال للقواعد الأخلاقية والقانونية في مختلف مراحل المعالجة. وتندرج هذه الرؤية ضمن جهود وطنية انطلقت منذ سنوات، من بينها تطوير إطار تحليلات التأثير على حماية المعطيات وتعزيز برامج مثل "داتا-ثقة"، إضافة إلى العمل على إرساء معرف صحي فريد يفصل بين الهوية والاستخدام الطبي.
على مستوى الحوكمة، يشير الكتاب إلى ضرورة تحقيق توازن بين الانفتاح على الابتكار والحفاظ على السيادة الرقمية. هذا التوازن يبرز كأحد المحاور المركزية، خصوصاً في ظل اعتماد متزايد على حلول رقمية قد تكون مستوردة أو مبنية على منصات خارجية. ويؤكد هذا التوجه أهمية التحكم في سلاسل القيمة الرقمية، بما يشمل تخزين البيانات ومعالجتها وتطوير الخوارزميات.
المبادرة تأتي امتداداً لسلسلة من الأعمال السابقة التي تناولت الصحة الإلكترونية والرقمنة والتشغيل البيني. هذا التراكم يعكس مساراً تدريجياً نحو بناء تصور متكامل للصحة الرقمية في المغرب، حيث يشكل الذكاء الاصطناعي المرحلة الأكثر تقدماً في هذا المسار.
في المستوى العملي، يبرز الكتاب كوثيقة يمكن أن تؤثر في توجهات السياسات العمومية، خاصة في ما يتعلق بتحديث المؤسسات الصحية وتحسين كفاءة الخدمات. كما يفتح المجال أمام استثمارات في الابتكار الطبي، ويعزز دور الشركات الناشئة في تطوير حلول محلية.
رغم ذلك، تبقى عدة نقاط مفتوحة للنقاش المهني، منها قدرة المنظومة على تمويل التحول الرقمي، جاهزية الموارد البشرية، ومستوى التنسيق بين الفاعلين العموميين والخواص. كما يظل تقييم الأثر الفعلي لهذه التوصيات رهيناً بآليات التنفيذ والمتابعة.