طرح مصطفى سليمان، الرئيس التنفيذي لقسم الذكاء الاصطناعي في مايكروسوفت، توقعًا حادًا حين تحدث عن إمكانية بلوغ أنظمة الذكاء الاصطناعي أداءً بمستوى بشري في معظم المهام المكتبية خلال فترة بين 12 و18 شهرًا، مع الإشارة إلى مجالات مثل المحاسبة، القانون، التسويق وإدارة المشاريع بوصفها الأكثر عرضة للأتمتة. يرى سليمان أن الجزء الأكبر من الأعمال التي تُنجز أمام الحاسوب يمكن أن ينتقل إلى وكلاء برمجيين يتولون كتابة التقارير، صياغة العقود القياسية، تلخيص الاجتماعات، وإدارة البريد الإلكتروني، بما يخفّض الكلفة التشغيلية ويرفع سرعة الإنجاز في المؤسسات التي تعتمد هذه الأدوات على نطاق واسع.
مع ذلك، لا تتسم المهام المكتبية بالتجانس، إذ تشمل طيفًا واسعًا من الأنشطة يمتد من إدخال البيانات الروتيني إلى التعامل مع ملفات قانونية ومالية معقدة، مرورًا بالتفاوض، بناء الثقة مع العملاء، واتخاذ قرارات تعتمد على معرفة ضمنية متراكمة. هذا التنوع يجعل من الصعب اختزال وظيفة الموظف المكتبي في سلسلة أوامر نصية يمكن لنموذج لغوي متقدم أن يتولاها بالكامل، حتى مع تحسن الأداء في إنتاج النصوص وتحليل البيانات. كما أن تعميم الأتمتة على مستوى المؤسسات يتطلب استثمارات في البنى الرقمية، إعادة تصميم لعمليات العمل، وتحديدًا دقيقًا لمسؤوليات الخطأ والأمن والامتثال القانوني، وهي خطوات لا تتحرك عادة بالسرعة نفسها التي تتطور بها النماذج التقنية.
يربط سليمان بين هذا الأفق الزمني القصير وبين فكرة أن إنشاء نماذج ذكاء اصطناعي جديدة سيصبح قريبًا قريبًا من سهولة إطلاق بودكاست أو كتابة مدونة، في إشارة إلى انتشار منصات جاهزة تسمح لجهات عديدة ببناء نماذج أو وكلاء متخصصين انطلاقًا من بنى تحتية متوفرة. تعكس هذه الرؤية اتجاهًا متزايدًا نحو تبسيط واجهات الاستخدام وتوفير أدوات تطوير جاهزة للشركات غير التقنية، بحيث تتمكن من تخصيص حلول ملائمة لقطاعاتها من دون فرق بحثية ضخمة. لكن بناء نماذج ذات قدرات عالية يظل مرتبطًا حتى الآن بموارد حوسبة كبيرة، قواعد بيانات واسعة، فرق متخصصة في الهندسة والحوكمة والأمن، إضافة إلى تعقيدات متصلة بحماية البيانات والملكية الفكرية والتحيزات الخوارزمية، ما يحد من سهولة انتشار نماذج قوية على النحو الذي يوحي به الخطاب التفاؤلي.
تجربة الأتمتة في العقود الماضية تشير إلى أن تأثير التكنولوجيا على العمل يأخذ أشكالًا متنوعة، من إلغاء بعض الوظائف إلى إعادة تشكيل أخرى وظهور مهام جديدة لم تكن موجودة من قبل. ما يميز اللحظة الحالية هو أن الذكاء الاصطناعي يستهدف أعمالًا تعتمد على اللغة والتحليل والتفاعل، أي مجالات لطالما اعتُبرت عصية على الأتمتة قياسًا بالصناعة التقليدية. رغم ذلك، تُظهر سوابق التحولات التكنولوجية أن إعادة توزيع الأدوار بين الإنسان والآلة في سوق العمل تتم عادة على مدى سنوات طويلة، وليس ضمن أفق زمني قصير مثل 18 شهرًا، وأن تقديرات من نوع تلك التي يطرحها سليمان تُقرأ غالبًا باعتبارها سيناريوهات قصوى تهدف إلى تحفيز النقاش والاستعداد، أكثر من كونها جداول زمنية دقيقة.
مع ارتفاع احتمال أتمتة جزء معتبر من المهام المكتبية خلال السنوات المقبلة، يصبح السؤال المطروح على الحكومات والمؤسسات والنقابات مرتبطًا بكيفية إدارة هذا الانتقال، من خلال سياسات تدريب وإعادة تأهيل، آليات لحماية الدخل للفئات الأكثر عرضة، وتوجيه الشركات لاستخدام الأدوات الجديدة لرفع الإنتاجية وتحسين الجودة بدل الاكتفاء بتخفيض الكلفة. كما تظهر تحديات إضافية في الدول النامية التي قد تستورد هذه الأنظمة دون امتلاك البنى المؤسسية والتشريعية اللازمة للاستفادة منها وتقليل آثارها السلبية، بما يفتح الباب أمام اتساع فجوات الدخل والمعرفة إذا لم تُصمم سياسات استباقية تنظم إدخال هذه التقنيات وتدعم تطوير مهارات محلية قادرة على التحكم فيها.
بالنسبة للعاملين في مجالات مثل المحاسبة والقانون والتسويق وإدارة المشاريع، يتركز جوهر المسألة على إعادة تعريف الدور ضمن بيئات هجينة يتقاسم فيها الإنسان والآلة المهام، حيث يرجّح أن تتولى الأنظمة الذكية الأعمال المتكررة بينما يحتفظ البشر بأدوار الإشراف، مراجعة المخرجات، التعامل مع الحالات الاستثنائية، والتفاعل مع الأطراف المختلفة مع تحمّل المسؤولية القانونية والأخلاقية. في هذا الأفق، يمكن التعامل مع تصريحات سليمان بوصفها إنذارًا مبكرًا يدفع الأفراد والمؤسسات إلى الاستثمار في مهارات فهم أدوات الذكاء الاصطناعي، صياغة التعليمات لها، وتقييم نتائجها نقديًّا، إلى جانب تطوير أطر حوكمة وتنظيم قادرة على توجيه هذا التطور بما يخدم المصلحة العامة بدل تركه خاضعًا فقط للاعتبارات التجارية والتنافسية.



