في أحد مستودعات كاليفورنيا، تحوّل خط فرز الطرود إلى ساحة تنافس غير اعتيادية بين شاب في بداية مساره المهني وروبوت بشري الشكل من تطوير شركة Figure AI. الفكرة بدت بسيطة: بث مباشر يمتد لعشر ساعات، يتسابق خلاله الطرفان على فرز أكبر عدد ممكن من الطرود على طاولة واحدة، وفق قواعد موحدة وعدّاد يحدث الأرقام في الزمن الحقيقي. هكذا انتقل العمل اليدوي الرتيب من بيئة المستودع إلى مشهد رقمي يتابعه جمهور واسع على المنصات الاجتماعية.
الشركة قدّمت هذا التحدي بوصفه عرضًا تقنيًا واختبارًا عمليًا في آن واحد. الهدف لم يكن مجرد الترفيه، بل إظهار قدرة نموذج Figure 03 على التعامل مع الطرود، بما يشمله ذلك من التقاط وتحريك وتوجيه وقراءة للرموز، ضمن وتيرة عمل متواصلة تقارب الإيقاع البشري. بهذا المعنى، لم يكن البث مجرد منافسة، بل رسالة موجهة إلى سوق الخدمات اللوجستية والأتمتة الصناعية.
خلال الساعات الأولى، حافظ المتدرب على إيقاع ثابت، يمسك الطرد ويمرره أمام الماسح ثم يضعه على الناقل في الاتجاه المطلوب. في الجهة المقابلة، كرر الروبوت الحركة نفسها بوتيرة آلية متماسكة لا تتغير إلا ضمن حدود البرمجة والاستجابة الحركية. ومع استمرار التحدي، صار الفارق بين الطرفين يُقاس لحظة بلحظة عبر الشاشة، ما منح البث طابعًا تنافسيًا قريبًا من المباريات أكثر من كونه عرضًا صناعيًا جافًا.
العنصر الأكثر إثارة للانتباه كان مسألة فترات الراحة. فالمتدرب، بحكم خضوعه لقواعد العمل في كاليفورنيا، حصل على استراحات مدفوعة الأجر وتوقفات مخصصة للطعام والراحة. أما الروبوت، فواصل أداءه بلا انقطاع بشري معروف، وهو ما منح المقارنة بعدًا قانونيًا وعمليًا يتجاوز مسألة السرعة وحدها.
في إحدى اللحظات، وخلال توقف قصير للمتدرب، تمكّن الروبوت من التقدم على لوحة الأرقام. هذا التفوق المؤقت أضفى على المشهد توترًا إضافيًا، لأن المتابعين رأوا بصورة مباشرة ما يعنيه أن تعمل آلة بلا تعب أو حاجة إلى استراحة. غير أن العامل البشري عاد في المراحل الأخيرة وضيّق الفارق ثم استعاد التقدم قبل نهاية البث.
عند انتهاء الساعات العشر، حُسم التحدي بفارق محدود لصالح الإنسان. فقد بلغ مجموع ما فرزه المتدرب 12 924 طردًا، مقابل 12 732 للروبوت، وهو فارق ضئيل بالنظر إلى طول المهمة وتكرارها المستمر. هذا التقارب الشديد هو ما منح التجربة قيمتها الفعلية، إذ أوحى بأن الفاصل بين الأداء البشري والأداء الآلي في هذا النوع من الأعمال بات أضيق من أي وقت مضى.
بعض التغطيات اعتبرت النتيجة انتصارًا رمزيًا للإنسان، لكن الرسالة الأعمق بدت مختلفة. فمؤسس الشركة بريت أدكوك لمح إلى أن هذه قد تكون المرة الأخيرة التي يفوز فيها الإنسان في منافسة من هذا النوع، في إشارة إلى ما تتوقعه الشركة من تحسن سريع في البرمجيات والحركة والدقة التشغيلية. بذلك، صار الفوز البشري نفسه جزءًا من سردية تمهّد لتفوّق آلي مقبل.36
ما تكشفه هذه التجربة لا يتعلق فقط بروبوت أسرع أو عامل أكثر تحمّلًا، بل بطريقة جديدة في عرض مستقبل العمل أمام الجمهور. فبدل أن تُناقش الأتمتة داخل تقارير تقنية مغلقة، جرى تحويلها إلى مادة بصرية قابلة للمتابعة والانتشار والتعليق. وهذا ما جعل التحدي يتجاوز طبيعته التقنية ليصبح سؤالًا مفتوحًا عن الوظائف المتكررة، وإيقاع العمل، وحدود التنافس بين الإنسان والآلة داخل المستودعات الحديثة.


