بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي الصيني بالرقائق الذكية 41 بالمئة في 2026، بحسب بيانات مورغان ستانلي، بعد أن كانت لا تتجاوز 10 بالمئة في 2021. تُقاس هذه النسبة بحصة الطلب المحلي على الرقائق الذكية التي تُلبى بإنتاج محلي بدلاً من الاستيراد، وهي تضاعفت أربع مرات خلال خمس سنوات فقط. تتوقع مورغان ستانلي أن ترتفع النسبة إلى 85 بالمئة بحلول 2030، ما يعني أن الصين قد تُلبي تقريباً كامل طلبها الداخلي على الرقائق الذكية محلياً خلال خمس سنوات.
قفزة تصنيعية مدفوعة بالعقوبات الأمريكية
دفعت القيود التصديرية الأمريكية المفروضة منذ 2018 بكين نحو تسريع برامج الاكتفاء الذاتي التكنولوجي. أطلقت الحكومة الصينية صندوق الاستثمار بالدوائر المتكاملة، المعروف بـ"الصندوق الكبير"، بتمويل عشرات مليارات الدولارات لدعم الشركات المحلية مثل شركة SMIC وYMTC وCXMT وHua Hong Semiconductor. استهدفت الاستراتيجية تحقيق 50 بالمئة اكتفاء ذاتي بمعدات أشباه الموصلات بحلول 2025، بعد أن كانت النسبة 13.6 بالمئة في 2024.
حققت الصين اختراقات تقنية محورية؛ طوّرت Hua Hong Group تكنولوجيا تصنيع بعقدة 7 نانومتر عبر ذراعها Huali Microelectronics بشنغهاي، لتصبح ثاني شركة صينية بهذه القدرة بعد SMIC. تبني هواوي وSMIC مصانع جديدة لمضاعفة قدرتهما التصنيعية للرقائق بعقدة 7 نانومتر، كما تُطور معالجات لمنافسة معالجات H20 من إنفيديا المُقيّدة.
ابتكارات تتجاوز النماذج الغربية
تجاوز التقدم الصيني محاكاة التكنولوجيا الغربية نحو ابتكارات جذرية؛ بدأت جامعة بيهانغ الإنتاج الضخم لأول رقاقة ذكاء اصطناعي غير ثنائية بالعالم، تدمج حوسبة عشوائية هجينة لتجاوز قيود أشباه الموصلات التقليدية. كشف باحثون صينيون عن منصة QiMeng، نظام تصميم رقائق مدفوع بالذكاء الاصطناعي يُولد معالجات كاملة ذاتياً، ما يُقلص الاعتماد على برمجيات تصميم رقائق مُستوردة بصورة جذرية.
بلغت استثمارات الحكومة الصينية بالذكاء الاصطناعي في 2025 نحو 400 مليار يوان من أصل إجمالي إنفاق رأسمالي متوقع بقيمة 600-700 مليار يوان (84-98 مليار دولار)، ما يعكس دفعاً مكثفاً لتضييق الفجوة التكنولوجية مع الولايات المتحدة. أطلق مجلس الدولة صندوق توجيه وطنياً برأسمال مُتعدد المليارات لتحفيز اختراقات بالحوسبة الكمومية، طاقة الهيدروجين، وتكنولوجيا المعلومات الجيل القادم.
هيمنة آسيوية متصاعدة بسوق الرقائق الذكية
تُهيمن منطقة آسيا-الباسيفيك على سوق الرقائق الذكية العالمية، بفضل صناعة أشباه موصلات متطورة وتقدمات مستمرة من لاعبين رئيسيين مثل TSMC وSamsung Electronics وSMIC وSK Hynix. جذبت المنطقة استثمارات تتجاوز 150 مليار دولار بمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في 2025، مع توسع سامسونغ وSK Hynix لقدراتهما بذاكرة HBM بنسبة تصل لـ50 بالمئة. يُتوقع أن يبلغ سوق الرقائق الذكية العالمية 295.56 مليار دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب 33.2 بالمئة.
استراتيجية شاملة تجمع التعليم والتمويل والسياسة الصناعية
اعتمدت بكين استراتيجية "الدورة المزدوجة" التي أعلنها الرئيس شي جين بينغ في 2020 وأُدمجت بالخطة الخمسية الـ14 (2021-2025). تُعطي الأولوية للاستهلاك والابتكار المحليين ("الدورة الداخلية") مع انخراط انتقائي بالأسواق العالمية ("الدورة الخارجية") لتعزيز الاعتماد على الذات والمرونة أمام الصدمات الخارجية. كثفت الصين برامج الدعم عبر استثمار عام مباشر، حوافز ضريبية، وصناديق توجيه صناعي.
جعلت بكين تعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات ركيزة لاستراتيجيتها طويلة الأمد للاعتماد على الذات التكنولوجي. أطلقت خطة التعليم الوطنية (2024-2035) التي توسع قبول الطلاب بكبرى الجامعات، تعزز الروابط بالتعليم المهني والتقني، وتؤكد على دمج الذكاء الاصطناعي، بما فيها إنشاء جامعة رقمية وطنية لتعزيز التعلم مدى الحياة والرقمي. تدمج السياسة التعليمية بالسياسة الصناعية بصورة متكاملة لبناء قدرات ابتكار محلية.
تداعيات جيوسياسية وتحديات مستمرة
رغم التقدم المُبهر، يبقى تحقيق استقلال تكنولوجي كامل بعيد المنال على المدى القريب والمتوسط. لا تزال الصين تعتمد على أدوات تصنيع متقدمة مثل أنظمة الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية الشديدة (EUV) من الشركة الهولندية ASML، المحظورة عليها بموجب ضغوط أمريكية. تعمل بكين على تطوير بدائل عبر أدوات الطباعة الحجرية بحزمة الإلكترونات، لكن النضج التجاري يتطلب سنوات إضافية.
يعكس الصعود الصيني بالرقائق الذكية تحولاً جيوسياسياً عميقاً؛ السباق التكنولوجي انتقل من منافسة اقتصادية إلى صراع أمني استراتيجي. تُظهر البيانات أن بكين تبني نظاماً بيئياً ابتكارياً محلياً متكاملاً، توسع قدراتها الصناعية، وتبني مرونة سياسية لتقليل التبعيات الخارجية. إن استمرت الوتيرة الحالية، قد تُصبح الصين لاعباً مستقلاً بالكامل بسوق الرقائق الذكية بحلول 2030، ما يُعيد تشكيل موازين القوى التكنولوجية العالمية.


