تتجه شركة ميتا نحو مرحلة جديدة في استراتيجيتها التقنية، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي محصورًا في الشاشات أو التطبيقات، بل ينتقل تدريجيًا إلى أجهزة تُحمل على الجسد وترافق المستخدم في تفاصيل يومه. هذا التحول يتجسد في مشاريع متعددة تعمل عليها الشركة، من بينها قلادة ذكية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ونظارات متقدمة، إلى جانب منصة مهنية تحمل اسم Wearables for Work، في محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والتقنية.
الفكرة التي تستند إليها هذه المشاريع تقوم على تطوير واجهة استخدام غير مرئية تقريبًا، تعتمد على أجهزة قادرة على التقاط ما يراه المستخدم وسماعه، وتحليل السياق المحيط به في الزمن الفعلي. هذا النوع من الأجهزة لا يكتفي بالاستجابة للأوامر، بل يتجاوز ذلك إلى التذكير بالمواعيد، وتلخيص الاجتماعات، وتقديم إجابات فورية على أسئلة بصرية، بل وحتى تنفيذ مهام نيابة عن المستخدم ضمن بيئات رقمية ومهنية مختلفة.
تأتي هذه التحركات في وقت تسعى فيه ميتا إلى تثبيت موقعها في سباق الذكاء الاصطناعي الذي تشهده كبرى شركات التكنولوجيا. ووفق معطيات منشورة عبر مدونة Meta الرسمية، فإن الشركة تعمل على توسيع منظومتها من الأجهزة الذكية، مستفيدة من خبرتها السابقة في نظارات Ray-Ban الذكية، لكنها تسعى هذه المرة إلى توسيع الاستخدامات لتشمل مجالات العمل والإنتاجية، وليس فقط الترفيه والتواصل.
الأرقام التي تراهن عليها الشركة تعكس حجم الطموح المرتبط بهذه المبادرة. إذ تستهدف ميتا بيع نحو 10 ملايين جهاز قابل للارتداء خلال النصف الثاني من عام 2026، مع الوصول إلى 6,8 ملايين مستخدم نشط شهريًا بحلول نهاية العام نفسه. هذه الأهداف لا تتعلق فقط بحجم الانتشار، بل تشير أيضًا إلى محاولة بناء قاعدة مستخدمين واسعة يمكن تحويلها لاحقًا إلى مصدر دخل مستدام.
في المقابل، تكشف المؤشرات المالية عن ضغوط متزايدة تواجهها وحدة Reality Labs، المسؤولة عن تطوير هذه التقنيات. فقد سجلت خسائر بلغت 4,03 مليارات دولار في ربع واحد، مقابل إيرادات لم تتجاوز 402 مليون دولار. هذه الفجوة المالية تعكس حجم الاستثمارات المطلوبة لتطوير تقنيات الواقع المعزز والذكاء الاصطناعي القابل للارتداء، كما تبرز الحاجة إلى نموذج اقتصادي قادر على تحقيق عائدات متكررة.
ضمن هذا السياق، يبدو أن الرهان الحقيقي لا يقتصر على بيع الأجهزة بحد ذاتها، بل يمتد إلى بناء منظومة خدمات رقمية مرافقة، تشمل اشتراكات برمجية، ومساعدين شخصيين مدعومين بالذكاء الاصطناعي، وتطبيقات مهنية متخصصة. هذا النموذج يقترب من التحولات التي شهدها قطاع الهواتف الذكية، حيث أصبحت الخدمات والتطبيقات مصدرًا أساسيًا للإيرادات، متجاوزة في أهميتها مبيعات الأجهزة.
الانتقال نحو أجهزة ترافق المستخدم بشكل دائم يطرح أيضًا أسئلة تتعلق بالخصوصية وإدارة البيانات، خاصة مع قدرة هذه الأجهزة على التقاط معلومات حساسة من البيئة المحيطة. غير أن ميتا تراهن على أن القيمة التي تقدمها هذه التقنيات، من حيث تحسين الإنتاجية وتسهيل التفاعل مع العالم الرقمي، قد تدفع المستخدمين إلى تبنيها تدريجيًا، كما حدث مع الهواتف الذكية في العقد الماضي.
تعكس هذه المبادرة محاولة لإعادة تشكيل واجهة الذكاء الاصطناعي بحيث تصبح أكثر اندماجًا في الحياة اليومية، وأقل اعتمادًا على التفاعل المباشر مع الشاشات. وإذا نجحت ميتا في تحقيق هذا التحول، فقد تمهد الطريق لنموذج جديد من الحوسبة الشخصية، يقوم على الحضور الدائم للتقنية دون أن تكون مرئية بشكل صريح.

