في المشهد المعلوماتي الراهن، باتت الخوارزميات تمارس نوعاً خفياً من الرقابة على ما يصل إلى المستخدمين، إذ تُعيد رسم حدود ما يُرى وما يُحجب. هذه الظاهرة التي أطلق عليها الباحث إيلي باريسر مفهوم "فقاعة الفلترة" عام 2011، تُفضي في جوهرها إلى تضييق دائرة التعرض لوجهات النظر المتباينة، وتعزيز ما يُعرف بالتجانس الأيديولوجي داخل المنصات الرقمية. وقد كشفت دراسة أكاديمية محكّمة أن الأنظمة الخوارزمية لا تقتصر على عزل المستخدم عن المعلومات المغايرة، بل تدفعه نحو تكييف عاداته الاستهلاكية المعلوماتية بصورة تدريجية وغير محسوسة، مما يُسهم في تمزيق الفضاء العام وتفتيته على المدى البعيد.
في هذا السياق، أصدر معهد السمعي البصري الفرنسي (INA) ضمن أعمال الهيئة العامة للمعلومات عام 2024 تقريراً استشرافياً يرسم سيناريوهات بالغة الدلالة لعالم المعلومات في أفق 2050. يتضمن التقرير ثلاثة مسارات محتملة: سيناريو متفائل يصف "عصراً ذهبياً" يستعيد فيه المواطنون سيادتهم المعلوماتية، وسيناريو مظلم يُجسّد الفوضى المعلوماتية الشاملة، وسيناريو وسيط يصف تشرذماً في مصادر الخبر. وقد أعرب واضعو التقرير عن أمل مشترك في أن تتضمن منظومات المساعدة الذكية المستقبلية آليات تحدّ من انغلاق المواطنين داخل فقاعاتهم المعلوماتية، مؤكدين أن الرهان ثقيل في ظل "أثر النفق" الذي تعاني منه المجتمعات الرقمية حالياً.
أمام هذا الواقع، تطرح مهنة الرصد المعلوماتي نموذجاً مغايراً يُعيد الاعتبار للانفتاح المنهجي على مصادر متنوعة. إذ تُشكّل مرحلة بناء خارطة المصادر الركيزة الأولى لأي مشروع يرمي إلى تجنب الزوايا المعمية، وذلك من خلال الجمع بين الإعلام التقليدي والمنشورات المؤسسية وآراء الخبراء، بل والأصوات الهامشية القادمة من الأوساط الأكاديمية أو ميادين المجتمع المدني المتخصصة. هذه المقاربة التي تصفها شركة KBcrawl بـ"العمل الدقيق"، تستلزم إعداداً مشتركاً بين المحترفين وعملائهم لتحديد احتياجاتهم وتنسيق خارطة مصادر بالغة الدقة، قادرة على استشعار الإشارات الخافتة قبل أن تتحول إلى ظواهر تغطيها وسائل الإعلام الكبرى.
غير أن بناء هذه الخارطة وحده لا يكفي، إذ تظل قابلة للتقادم السريع بفعل التحولات المتواصلة على الشبكة. فالمواقع الإلكترونية تُغلق أو تُعيد هيكلتها، وخبراء جدد يظهرون، ومدونات متخصصة تنشأ دون أن تجد مكاناً في أنظمة الرصد المعتمدة. ولهذا فإن المهنة تستلزم صيانة دورية من نوعين متلازمين: تقنية لإصلاح المصادر المنقطعة، وتحريرية لتحديث المنظومة بمصادر ناشئة وأصوات مستجدة. ويرى المختصون أن مراجعة ربع سنوية أو شهرية لمجموعة المصادر، مقرونة بحوار نشط بين الراصد وعميله، شرط ضروري للحفاظ على فاعلية المنظومة بمرور الوقت.
والأبلغ في هذه المقاربة دلالةً أنها لا تبقى في النطاق القطاعي الضيق، بل تمتد لتشمل مصادر ما كان يُطلق عليها تقليداً "معلومات ذات تكرار إعلامي منخفض". فشركة في قطاع الفخامة رصدت، عبر اتساع بنك مصادرها، تعاوناً خفياً بين ناشئة للتكنولوجيا الحيوية ومنافس تاريخي لها، من خلال تواصل علمي تقني لم تتناوله وسائل الإعلام الكبرى. مكّنها ذلك من توجيه قرارها الاستثماري واستباق تحول في السوق. وهو ما يؤكد أن تجاوز حدود الرصد المعتادة نحو مصادر طرفية، كعروض التوظيف وتراخيص البناء وإيداعات براءات الاختراع، يمنح قراءة أعمق للمحيط ويفتح باب الذكاء الاستراتيجي الجماعي.
على صعيد أشمل، تُعيد هذه المقاربة الاعتبار للنقاش المنهجي حول دور الفاعل البشري في مواجهة الأتمتة المتسارعة. فبينما تدمج منصات الرصد اليوم مزيداً من وظائف الذكاء الاصطناعي التوليدي لتوليد الملخصات وترجمة المحتوى وإنتاج التقارير آلياً، تُشير الخبيرة فيرونيك ميسغيش إلى أن الحكم البشري يبقى ضرورياً في مواجهة مخاطر الانغلاق المعلوماتي الناجمة عن الأتمتة ذاتها. فالذكاء الاصطناعي، على قدرته الفائقة في معالجة الحجم الهائل من البيانات، قد يُعيد إنتاج تحيزات الإنسان ذاتها حين يُصمَّم على أساس بيانات تدريب تعكس فقاعات مسبقة. ذلك أن أدوات مثل النماذج اللغوية الكبرى التي تُغذّي منصات الرصد تظل محكومة بمعطيات انتقائية تستدعي وعياً نقدياً مستمراً من مُشغّليها، وفق ما تُصنّفه مجموعة غارتنر ضمن مرحلة "الضجيج" التي سبق اعتماد التقنية في الممارسة المهنية الفعلية.

