خلال العامين الأخيرين، تحولت المهارة الأكثر تداولاً في مجال الذكاء الاصطناعي من صياغة برومبتات متقنة إلى قدرة أعمق على تصميم حلقات عمل تجعل الوكلاء الذكيين يتصرفون بصورة شبه ذاتية. في البداية كان الرهان على كيفية مخاطبة النموذج اللغوي بأفضل طريقة ممكنة، أما اليوم فيتجه جزء متزايد من المطورين إلى بناء أنظمة تمنح الوكيل هدفاً واضحاً ثم تترك له مساحة تنفيذ دورة كاملة دون تدخل مستمر من الإنسان. في هذا التصور الجديد، لا يعود المستخدم منشغلاً بإصدار التعليمات خطوة بخطوة بقدر ما يهتم بتركيب بنية تشغِّل سلسلة من التفاعلات المتكررة بين الوكيل والبيئة والأدوات المحيطة به.
يستند هذا التحول إلى ملاحظة عملية لدى من يعملون على وكلاء البرمجة الأكثر تطوراً: لم يعد المطلوب أن يكتب المطور برومبتاً طويلاً لكل مهمة، بل أن يضع حلقة عمل واضحة تدفع الوكيل إلى توليد البرومبتات المناسبة بنفسه. تتكون هذه الحلقة عادة من مراحل متكررة، تبدأ بتفكيك الهدف العام إلى مهام فرعية، ثم توزيع هذه المهام على وكلاء متخصِّصين، قبل فحص المخرجات بحثاً عن الأخطاء أو الثغرات. بعد ذلك تُرسَل تصحيحات أو تعليمات مكمِّلة إلى الوكلاء، ثم تُعاد الدورة من جديد إلى أن يتحقق مستوى مقبول من الإنجاز أو يصل النظام إلى حالة توقف محددة مسبقاً. هذه البنية تمنح الوكلاء قدرة أكبر على الاستمرار في العمل دون الحاجة إلى مراقبة لصيقة من الإنسان.
في نموذج هندسة البرومبتات كان المستخدم يملي على الذكاء الاصطناعي تفاصيل ما يجب فعله في كل خطوة، فتغدو الجلسة عبارة عن سلسلة من الطلبات المتتابعة، وكل رد من النموذج ينتظر إعادة صياغة أو توجيهاً جديداً. أما في نموذج هندسة الحلقات، فيتم نقل مركز الثقل إلى تصميم دورة مغلقة تتعامل مع التخطيط والتنفيذ والتقييم داخل نظام واحد. هذه الدورة يمكن أن تُضمَّن آليات لتتبع تقدم المهمة، وتحديد ما إذا كان الوكيل بحاجة إلى استدعاء أداة خارجية، أو مراجعة ملفات، أو إنتاج شيفرة جديدة، أو تعديل ما سبق إنتاجه. وبذلك يصبح البرومبت عنصراً داخلياً في الحلقة بدلاً من كونه واجهة الاستخدام الرئيسية.
من النتائج المباشرة لهذا التغيير أن دور المهندس أو الصحفي أو صانع المحتوى يميل أكثر نحو هندسة الأنظمة منه إلى هندسة الجمل. فالاستفادة القصوى من الوكلاء الذكيين لا تأتي فقط من صياغة سؤال محكم، بل من بناء دورة عمل تدمج هذه الوكلاء في العملية الإنتاجية كعامل نشط، قادر على إعادة تقييم ما أنجزه والعودة تلقائياً إلى مراحل سابقة عند الحاجة. هذا الأسلوب يسمح، على سبيل المثال، لوكيل برمجي بأن ينشئ شيفرة، ثم يختبرها، ثم يحلل الأخطاء الناتجة عن الاختبارات، ويقترح تعديلات متتالية دون انتظار برومبت جديد من المطور في كل مرة. وينطبق المنطق نفسه على وكلاء مخصصين للترجمة أو التلخيص أو التدقيق أو تحليل البيانات.
في السياقات التحريرية والرقمية، يفتح هذا التحول الباب أمام أتمتة أكثر استقراراً للتدفقات اليومية. يمكن لوكيل واحد أو مجموعة من الوكلاء أن يتولوا قراءة مصادر الأخبار، واستخراج الموضوعات المتكررة، وصياغة مسودات أولية، ثم مراجعتها وفق معايير محددة سلفاً للجودة اللغوية أو الدقة الاصطلاحية أو الالتزام بالسياسة التحريرية. الحلقة هنا قد تشمل مراحل لتقدير موثوقية المصدر، ومقارنة المعلومات بين عدة قنوات، وتنبيه الصحفي عندما تحتاج مادة ما إلى تدخله المباشر. في هذه الحالة لا يُستغنى عن الإنسان، بل يُعاد توزيع دوره نحو ضبط التصميم العام للحلقات وتحديد اللحظات التي يتعين عليه فيها التدخل.
لا يعني هذا أن المعرفة الدقيقة بفنون البرومبت أصبحت عديمة الفائدة، بل إنها تتحول إلى جزء ضمني من هندسة النظام بدلاً من أن تكون منتجاً قائماً بذاته. فكل حلقة ناجحة تتطلب في داخلها برومبتات محكمة تُستخدم كنقاط ارتكاز في التفاعل بين الوكيل والأدوات. الفارق أن هذه البرومبتات تُكتب مرة أو مرات قليلة ضمن مرحلة التصميم، ثم تُعاد استعمالها وتعديلها تلقائياً أثناء دوران الحلقة. بذلك يصبح الاتجاه العام هو الانتقال من حِرَفية صياغة الطلبات إلى حِرَفية تصميم دوائر العمل التي تنظم طريقة تفكير الوكلاء وتفاعلهم مع المهام ومع الإنسان في آن واحد.

