يصوّر مسؤولون أمريكيون بشكل متزايد التنافس مع الصين في مجال الذكاء الاصطناعي على أنه قضية أمن قومي مصيرية، إذ تشير تصريحاتهم الأخيرة إلى أن حتى التقدّم الطفيف في هذا المجال قد تكون له تداعيات كبرى على قيادة العالم تقنيًا. وفي فعالية نظّمها معهد هدسون يوم الخميس 25 يونيو، وصف رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، براين ماست، الولايات المتحدة بأنها "البطل الخارق" والصين بأنها "الشرير الخارق" في هذا السباق التكنولوجي العالمي، وذلك بعد يومين فقط من تصريح وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بأن "أكبر خطر" تواجهه بلاده في مجال الذكاء الاصطناعي هو تقدّم الصين عليها.
سباق اقتصادي وعسكري وأخلاقي
من جهته، وصف السيناتور جيم بانكس، الجمهوري عن ولاية إنديانا، هذا التنافس بأنه "ليس مجرد سباق اقتصادي وأمن قومي، بل سباق أخلاقي أيضًا" بالنسبة لبلاده، محذّرًا من أن الولايات المتحدة لا يمكنها تحمّل خسارة هذا السباق أمام ما وصفه بـ"أكبر خصومها". وجاءت هذه التصريحات في إطار ندوة بعنوان "تأمين تفوّق أمريكا في الذكاء الاصطناعي: حوار حول سياسة ضوابط التصدير الأمريكية"، استعرض فيها المسؤولان كيف يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى عامل أساسي سيحدّد ملامح السياسة الأمريكية تجاه الصين خلال السنوات المقبلة.
انفتاح الصين... علامة على تقدّم أمريكي لا على ضعف
ولاحظ بعض المعلّقين أن استعداد الصين لمناقشة قضايا الذكاء الاصطناعي ينبع أساسًا من التقدّم الحالي الذي تحظى به الولايات المتحدة في هذا المجال، وليس من موقع قوة صينية، وذلك في الوقت الذي يتزايد فيه قلق المسؤولين في واشنطن من تضاؤل هذه الأفضلية مع مرور الوقت، في ظل تسارع وتيرة التقدّم التقني للمختبرات الصينية.
قرار حظر "Fable 5"... نموذج يُقرأ في هذا السياق
وتُقرأ في هذا السياق السياسي المتوتر، عدة قرارات أمريكية أخيرة مرتبطة بصناعة الذكاء الاصطناعي، من أبرزها قرار الحكومة الأمريكية في 12 يونيو بإصدار توجيه يتعلق بمراقبة الصادرات يفرض على شركة Anthropic تعليق وصول جميع الرعايا الأجانب، داخل الولايات المتحدة أو خارجها، إلى نموذجَي الذكاء الاصطناعي "Fable 5" و"Mythos 5"، بدعوى مخاوف تتعلق بالأمن القومي، بعد أيام فقط من إطلاقهما. وذكرت الشركة في بيان أن السلطات أشارت إلى احتمال وجود طريقة لتجاوز ضوابط الأمان في "Fable 5"، فيما اعتبرت Anthropic أن الثغرة المعنية محدودة النطاق ومتاحة أيضًا في نماذج أخرى منافسة لا تخضع لقيود مماثلة.
ويأتي هذا الحظر في وقت تشهد فيه المختبرات الصينية، مثل Zhipu AI، إصدار نماذج مفتوحة المصدر تُعلن مطابقتها أو تجاوزها لقدرات بعض النماذج الأمريكية المتقدّمة، وهو ما يغذّي الجدل الدائر في واشنطن بشأن فعالية سياسة ضوابط التصدير في عصر تنتشر فيه القدرات التقنية عبر النماذج المفتوحة بسرعة تفوق قدرة الأدوات التنظيمية على تطويقها. ويرى بعض المراقبين أن هذا التطوّر يجسّد بشكل مباشر التحذيرات التي أطلقها مسؤولون مثل ماست وبانكس بشأن خطر تضاؤل التفوّق الأمريكي، فيما يعتبره آخرون دليلًا على أن القيود التصديرية قد تفقد فعاليتها أمام سرعة انتشار النماذج المفتوحة المصدر.

