معنى ألا نستقيل من حياتنا في عصر الذكاء الاصطناعي

أضيف بتاريخ 07/04/2026
منصة ذكاء

يقدّم مقال لورنس مايكل ساكاساس المنشور في The Convivial Society بتاريخ 2 يونيو 2026 تأملاً معمقاً في الأثر النفسي والأخلاقي لانتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي على التجربة البشرية اليومية، ويقترح شعارًا وجوديًا صريحًا: لا تستقِل من حياتك، حتى عندما تُخيَّل الآلات قادرة على أداء ما تعتبره "عملك الخاص" بالمعنى الأوسع للكلمة. ينطلق النص من ملاحظة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد موضوعًا تقنيًا محدودًا، بل أصبح موضوعًا دائمًا للنقاش العام منذ أكثر من ثلاث سنوات، وأن هذا الحضور المستمر ترافق مع حملة سردية تصنع شعورًا بـ"حتمية" انتشاره، وفي الوقت ذاته تغذّي شعورًا متناميًا بالرفض والإنهاك والقلق لدى فئات واسعة من المستخدمين والمتأثرين به.



"حتمية" مصنوعة... وتسويق فاشل

يستحضر الكاتب تمييزًا قدّمته جوانا برايسون حول أن "الذكاء الاصطناعي" ليس فاعلًا واحدًا ولا كيانًا موحدًا، بل مجموعة من تقنيات وخدمات برمجية، ما يجعل الحديث عن "ما ستفعله" هذه الهيئة الكلية نوعًا من التجريد المضلِّل. غير أن هذا التحفّظ المفاهيمي لا يمنعه من ملاحظة نمط متكرر في طريقة تسويق أنظمة الذكاء الاصطناعي: خطاب يروّج لـ"حتمية" الاعتماد عليها، ويبالغ في إبراز مخاطرها "العالمية" على البشر، في توليفة تجمع بين الوعد والتهديد، وتنتج في النهاية حالة من الإحباط العام لدى من يتلقون هذه الرسائل المتناقضة. يشير النص إلى أن هذا الخطاب، الذي قدّم المنتجات بوصفها تهديدًا تاريخيًا للكرامة البشرية، كان أيضًا استراتيجية تسويق غير موفّقة، لأنه جعل الجمهور يشعر بأنه مدعو للمشاركة في صنع تعاسته المقبلة بدلًا من أن يرى في هذه الأدوات مصادر محتملة للمنفعة.


"إزالة المعنويات" في القاعات الدراسية

يُعنى المقال خصوصًا بالبُعد النفسي والاجتماعي لهذه التحولات، ويختصر فرضيته في أن "القوس" العام لاستخدام الذكاء الاصطناعي كما يُقدَّم اليوم يميل نحو حالة من "إزالة المعنويات" أو ما يصفه بالديموراليزيشن. يورد الكاتب مثالًا من شهادة كلاي شيركي، نائب رئيس جامعة نيويورك، عن تجربة أساتذة وطلاب في الجامعة، حيث تُسجَّل مشاعر متزايدة من الحزن والفتور داخل القاعات الدراسية بعد دخول أدوات التوليد اللغوي على نحو واسع، ليس فقط بوصفها وسائل غش أو إنتاج نصوص، بل كحضور دائم يعيد تعريف معنى الاجتهاد والعمل والتعلّم. في هذا المناخ، تصبح المشاعر السائدة لدى الطلاب والأساتذة مزيجًا من الحيرة والقلق والإنهاك، مع إحساس خفي بأن الجهد البشري يفقد قيمته تدريجيًا.


"أزمة الغاية": ما الجدوى من مهاراتي؟

يستدعي ساكاساس أيضًا ملاحظة من مارك واتكنز، أستاذ الكتابة في جامعة مسيسيبي، الذي يربط هذه الحالة بما يسمّيه "أزمة الغاية". حتى من لا يستخدم هذه الأدوات مباشرة يجد نفسه محاطًا بها في الإعلانات، وفي سلوك الأقران، وفي النقاشات الجامعية حول كيفية "التعامل" مع الذكاء الاصطناعي، فيبدأ بطرح سؤال بسيط وقاسٍ: ما الجدوى من مهاراتي إذا كانت الآلة قادرة على القيام بالأمر نفسه أو بما هو أفضل منه؟ هنا، لا يعود الضغط متولّدًا من المنافسة المباشرة مع الآلة، بل من إحساس عام بأن فضاء العمل والمعرفة يتم إعادة ترتيبه بطريقة تجعل القيمة البشرية قابلة للاستبدال أو الاختزال.


"إنه عملك أن تقوم به"

من هذه الخلفية، يصوغ الكاتب أطروحته المركزية: إذا كان هناك "شيء" ما ترى أنه من اختصاصك بالمعنى الوجودي، فإن وجود آلة قادرة على تنفيذه لا يلغي ذلك، لأن القيمة ليست في إثبات التفوق أو التفرد، بل في ممارسة الفعل ذاته. يلاحظ أن كثيرًا من النقاش حول الذكاء الاصطناعي يدور حول "فرادة الإنسان" وما يجعله مختلفًا عن الكيانات الأخرى، وأن هذا التركيز قد يصبح عبئًا عندما نربط كرامتنا بالكامل بكوننا قادرين على أداء مهام لا تستطيع غيرنا القيام بها. في هذه الحالة، يكفي أن تظهر آلة تستطيع محاكاة هذه المهام حتى نقرأ وجودها بوصفه تهديدًا مباشرًا لمكانتنا، بدلًا من أن نتعامل معها كأدوات ضمن بيئة موسّعة من الإمكانات. يقترح النص مثالًا حسيًا لمغادرة هذا المنطق، من خلال مقارنة طائر الصقر ذي الذيل المتشعّب (swallow-tailed kite) الذي يواصل تحليقه رغم أن البشر اخترعوا طائرات تطير أسرع وأبعد منه. فهذا الطائر لا "يستقيل" من طيرانه لأن آلة أخرى صارت أقدر منه، لأنه لا يمارس الطيران لإثبات تفوقه، بل لأنه جزء من طبيعته وعالمه، وهو، كما يقول الكاتب بسخرية لطيفة، "محظوظ بخلوّه من أشكال القلق الوجودي" التي قد تكون هي بالضبط ما يميّز البشر عن سائر الكائنات. من هذا المنظور، تصبح المقارنة مع الآلات أقل أهمية من التركيز على ما يسمح للبشرية بتحقيق السعادة، أو بتعبير الكاتب: ممارسة القدرات البشرية وتنمية الإمكانات لا لأنّها تجعلنا "استثنائيين" بالمعنى المقارن، بل لأنها تمنحنا الفرح والمعنى.


هل "تفكر" النماذج اللغوية؟ سؤال معلَّق عمدًا

يختار ساكاساس تعليق السؤال التقني حول ما إذا كانت النماذج اللغوية "تفكر" أو "تفهم" أو "تستخدم اللغة" بالمعنى الذي تفعله العقول البشرية، ويقترح افتراضًا جدليًا مفاده أنه حتى لو منحنا هذه الآلات القدرة على إنتاج محاكاة مقبولة لهذه الوظائف، فهذا لا يقدّم سببًا وجيهًا للتخلي عن ممارسة التفكير والحوار والحكم بأنفسنا. لا يرى الكاتب ضرورةً لاختزال الدفاع عن هذه الممارسات في خطاب "الكرامة الإنسانية" أو "تفوق الإنسان"، بل يدعو إلى ربطها مباشرةً بمصادر الفرح والمعنى التي تنتج عنها، خصوصًا عندما تُمارَس بصورة مشتركة مع الآخرين في فضاءات اللغة والمعرفة والعمل المشترك. بهذا المعنى، تتحول الدعوة إلى استمرار الكتابة والقراءة والتعلّم والنقاش إلى موقف عملي يواجه نزعة الاستقالة البطيئة من الحياة التي قد تنتج عن تسليم متسرّع للآلة بمقدّرات التجربة البشرية.


"دعوة" مغلَّفة... أم ضغط مباشر؟

يتناول المقال أيضًا مسألة "دعوة" البشر إلى إسناد عدد متزايد من مهام حياتهم اليومية للأنظمة الذكية، ويصف هذه الدعوة بوصفها تعبيرًا مخفَّفًا عن ضغوط حقيقية تُمارس في بعض البيئات المهنية والتعليمية، حيث يُطلب من الأفراد تبنّي هذه الأدوات تحت وعود بتوفير الوقت وتحسين الكفاءة، أو تحت تهديد ضمني بالتخلّف والحرمان من الفرص إذا رفضوا استخدامها. يقدّم الكاتب مثالًا مستمدًا من تقرير في مجلة The New Yorker عن أجهزة "كروم بوك" المزوّدة بأدوات Gemini في مدارس أمريكية، حيث تُقاطع واجهة الذكاء الاصطناعي التلاميذ في كل خطوة بعروض "المساعدة" على الكتابة أو التلخيص أو إنتاج الصور، ما يحوّل عملية التعلّم ذاتها إلى مساحة يتراجع فيها حضور الخيال والجهد الشخصي لصالح اختصارات جاهزة. في هذه الحالة، يصبح "الانسحاب" من الفعل البشري نتيجة تلقائية لحضور دائم ومتطفِّل للأدوات، لا خيارًا فرديًا حرًا.


"لن أستقيل من الحياة، بل سأُقال منها"

ينتهي النص باستدعاء عبارة من ميغيل دي أونامونو في كتابه الصادر عام 1921 "الإحساس التراجيدي بالحياة"، حيث يعلن أنه لا ينوي تقديم استقالة من الحياة بل ينتظر أن يُقال من وظيفته، ويحوّلها إلى شعار مناسب للحظة الراهنة: لا تستقِل من حياتك، بل واصل فعل ما تراه واجبًا أو مناسبًا لأن القيام به خير لك. يربط الكاتب هذه العبارة بدعوة عملية إلى عدم التخلي عن الأنشطة التي تمنح الأفراد شعورًا بالهدف والمعنى والسرور، حتى عندما تُقدَّم الآلات بوصفها بدائل أكثر سرعة أو كفاءة. المبدأ الضمني هنا هو أن الإنسان لا يُختزَل في قدرته على إنتاج مخرجات قابلة للقياس، بل في استعداده للاشتباك مع العالم ومع الآخرين عبر أفعال واعية ومتكررة، حتى إذا شاركتها أو حاكتها آلات في فضاءات أخرى.


قراءة من زاوية الصحافة والعمل المعرفي

من زاوية تخص الصحفيين والعاملين في الحقول المعرفية، يمكن قراءة هذا النص كتحذير من نوع خاص من الاستقالة، لا يتجلى في قرارات كبرى بل في سلسلة تنازلات صغيرة عن ممارسات الكتابة والتحليل والتوثيق والتفكير لصالح أوامر جاهزة واقتراحات آلية. هذه الاستقالة التدريجية قد لا تُرى فورًا، لكنها تُترجم إلى تحول في علاقة الممارس بمهنته وبذاته، حيث يغدو دور الإنسان أقرب إلى الإشراف والتعديل، بعيدًا عن المخاطرة الإبداعية والتجريب الفكري الذي يمنح العمل الصحفي والثقافي كثافته الخاصة. في المقابل، يستبقي الكاتب مساحة للعمل مع الأدوات لا ضدها، شريطة ألا تتحول إلى مبرر للتخلّي عن ممارسة القدرات الإنسانية نفسها التي تجعل من الحياة المهنية والفكرية مسارًا يحمل معنى شخصيًا وجماعيًا.