تكشف دراسة حديثة لفريق من باحثي علم الأعصاب في جامعة برنستون عن تفسير تجريبي جديد للفجوة القائمة بين أدمغة الكائنات الحية وأنظمة الذكاء الاصطناعي من حيث القدرة على التعلّم المتعدد والمرونة الإدراكية، إذ تبيّن أن الدماغ لا يبني كل مهارة من الصفر، بل يعتمد على مجموعة محدودة من «اللبنات الإدراكية» القابلة لإعادة الاستخدام في سياقات متنوعة، بما يسمح بتجميع سلوكات جديدة بسرعة من عناصر عقلية سابقة التكوين. الدراسة المنشورة في دورية «نيتشر» اعتمدت على تجارب أُجريت على قرود المكاك، وربطت بين أنماط النشاط العصبي في قشرة الفص الجبهي وبين أداء سلسلة من مهام تصنيف الألوان والأشكال، في محاولة لرصد الطريقة التي تعيد بها الشبكات العصبية الدماغية توظيف الأنماط نفسها في مهمات مختلفة دون الحاجة إلى إعادة التعلّم بالكامل.
يركّز الباحثون على مفهوم «التأليفية» أو القدرة على تركيب سلوك جديد انطلاقاً من مهارات بسيطة مستمدة من مهام سابقة ذات صلة، وهو مبدأ معروف في علوم الإدراك، إلا أن الدراسة تقدّم دليلاً عصبياً مباشراً على وجود وحدات وظيفية متكررة في قشرة الفص الجبهي يمكن استخدامها كعناصر معيارية لبناء استجابات متنوّعة. التجارب بيّنت أن القرود حين تُكلَّف بمهمات متقاربة في بنائها، مثل التمييز بين اللون أو الشكل ثم ترجمة النتيجة إلى حركة عينية محددة، تُظهر أنماطاً مشتركة من النشاط في مجموعات من الخلايا العصبية كلما تعلّقت المرحلة بحساب السمة البصرية أو باتخاذ قرار حركي، ما يشير إلى وجود وحدات وظيفية عامة لا ترتبط بمهمة واحدة بعينها.
في هذا الإطار، يتحدّث الباحث تيم بوشمان عن هذه الوحدات بوصفها «قطع ليغو إدراكية»، في استعارة تهدف إلى توضيح أن الدماغ يعتمد في عمله على قطع مستقلة نسبياً يمكن ضمّها وترتيبها بطرق مختلفة لإنجاز سلوكيات جديدة، على غرار ما يفعله المبرمج عند استدعاء دوال جاهزة داخل برنامج واحد. وتظهر البيانات أن كتلة عصبية معينة قد تُستخدم لحساب لون منبه بصري في مهمة أولى، ثم تُعاد الاستعانة بها في مهمة ثانية حيث يُستفاد من ناتجها كمدخل لوحدة أخرى مسؤولة عن توجيه حركة العين، ما يعكس نوعاً من الفصل بين المكوّنات الحسابية يسمح بإعادة تركيبها في بنى متغيّرة حسب متطلبات المهمة.
الدراسة تذهب أبعد من مجرد رصد الوحدات المتكررة، إذ تشير إلى أن قشرة الفص الجبهي لا تكتفي بتفعيل الكتل المناسبة، بل تعمل أيضاً على «إسكات» الكتل غير اللازمة لحظياً، الأمر الذي يقلّل من التشويش ويُبقي المعالجة المعرفية مركّزة على الهدف الحالي. هذا التنظيم الانتقائي للنشاط العصبي يتيح للنظام العصبي البيولوجي أن يتعامل مع مهام متتابعة أو متشعّبة دون أن تتداخل المسارات الحسابية بعضها مع بعض، وهو ما يفسّر قدرة الأفراد على الانتقال السريع بين قواعد مختلفة في الألعاب أو البرمجيات أو التفاعلات اليومية مع الحفاظ على أداء مستقر نسبياً.
في المقابل، تبرز الدراسة محدوديات النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي التي يمكنها تحقيق أداء يفوق البشر في مهمات محددة، لكنها تواجه صعوبة في تعلّم طيف واسع من المهام دون فقدان جزء من المهارات السابقة أو الاضطرار إلى إعادة التدريب على نطاق واسع. يعود ذلك إلى أن معظم هذه النماذج تُدرَّب على كل مهمة كما لو كانت حالة مستقلة، مع بنى معمارية لا تولي أولوية صريحة لمفهوم الوحدات القابلة لإعادة الاستخدام، ما يحدّ من قدرتها على التأليفية بالمفهوم نفسه الذي يوثّقه البحث في الدماغ الحيواني.
من زاوية الذكاء الاصطناعي، تقترح النتائج أن إدماج مفهوم الكتل الإدراكية في تصميم الخوارزميات قد يشكّل مساراً واعداً لتطوير أنظمة قادرة على التعلّم التراكمي دون نسيان كارثي للمهام السابقة، من خلال بناء مكتبة من الوحدات المعرفية المجرَّبة يمكن استدعاؤها وتركيبها عند مواجهة مهمات جديدة. مثل هذا التوجّه يلتقي مع محاولات قائمة في أبحاث «التعلّم متعدد المهام» و«التعلّم مدى الحياة»، لكنه يضيف بُعداً عصبياً يمكن أن يوجّه تصميم البنى المعمارية مستقبلاً اعتماداً على ما تكشفه دراسات مثل هذه من أنماط تنظيمية داخل قشرة الفص الجبهي.
على الصعيد الطبي، يفتح هذا العمل أسئلة حول الاضطرابات التي تتأثّر فيها المرونة الإدراكية، مثل بعض أشكال الفصام أو إصابات الدماغ الرضّية، إذ قد يعني ذلك أن الخلل لا يقتصر على مناطق معينة بقدر ما يتعلّق بقدرة الدماغ على استدعاء الكتل الملائمة أو تعطيل الكتل المتضاربة في اللحظة المناسبة. فهم هذه البنية المعيارية للوظائف المعرفية قد يساهم في تطوير تدخلات علاجية تستهدف إعادة تنظيم الشبكات المسؤولة عن تجميع هذه الوحدات، سواء عبر برامج تدريب إدراكي مصمّمة خصيصاً أو عبر مقاربات دوائية وتحفيزية موجّهة.
من منظور أوسع، يأتي هذا البحث في سياق نقاش متصاعد حول ما يسمّيه بعض التقارير الدولية «رأس المال الدماغي» أو الاستثمار في قدرات الدماغ البشري في عصر تتسارع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي. إذ توصي بعض الدراسات الصادرة عن جهات مثل المنتدى الاقتصادي العالمي بتعزيز سياسات التعليم والصحة العقلية والبحث العلمي من أجل الحفاظ على التفوّق النوعي للدماغ البشري في مجالات التعلّم المرن، وحل المشكلات المعقّدة، والتكيّف السريع مع شروط بيئية متغيّرة، وهي مجالات ما زالت الأنظمة الاصطناعية عاجزة عن مضاهاة أدائه فيها رغم التقدم الملحوظ في قدراتها الحسابية.
في البعد الإعلامي والفكري، توفر هذه النتائج مادة غنية للنقاش حول الحدود الفعلية التي تميّز الذكاء البشري عن النماذج الرقمية، وتدعو إلى تناول العلاقة بين علوم الأعصاب وعلوم الحاسوب كمسار تفاعلي لا يقوم على المقارنة التنافسية فقط، بل على استلهام مبادئ تنظيم الدماغ في تصميم أنظمة اصطناعية أكثر كفاءة واستدامة. كما تطرح أسئلة مهنية أمام العاملين في الصحافة وصناعة المحتوى حول كيفية تقديم هذه الأبحاث للجمهور بطريقة تشرح تعقيدات التعلّم العصبي وتفصل بين تصوّرات مبالغ فيها عن قدرات الذكاء الاصطناعي وبين ما تكشفه الدراسات التجريبية عن استمرار تفرّد الدماغ البشري في ميدان المرونة الإدراكية والتأليفية السلوكية.

