تقنية إسرائيلية تخفّف الرغبة الملحّة في تعاطي المواد الأفيونية خلال 20 دقيقة... ما حدود هذا النجاح؟

أضيف بتاريخ 06/29/2026
منصة ذكاء

تمكّن فريق طبي في مركز رامبام الطبي بحيفا من تنفيذ إجراء غير جراحي يستهدف منطقة عميقة في الدماغ تُعرف بـ"النواة المتكئة" (nucleus accumbens)، وهي المركز الرئيسي للشعور بالمتعة والرضا والإدمان. خضع للإجراء رجل في الأربعينين من عمره، كانت إصابة في رقبته قد تطورت إلى اعتماد شديد على مسكّنات الألم الأفيونية، بمعدل يقارب 130 قرصًا في اليوم، بعد أن أصبحت حاجته إلى هذه المواد حاجة عصبية بحتة منفصلة عن أي ألم فعلي. وبحسب الدكتور أمير مينيربي، مدير معهد طب الألم في رامبام، فإن المريض "لم يكن يتألم بعد الآن، بل كان فقط بحاجة إلى وجود المادة في مجرى دمه ليبقى هادئًا وقادرًا على أداء وظائفه".



كيف تعمل هذه التقنية؟

تعتمد التقنية، التي طوّرتها الشركة الإسرائيلية Insightec، على ما يُعرف بـ"تعديل الأعصاب" (neuromodulation). وعلى عكس الأساليب الأقدم التي تعمل على إتلاف أنسجة الدماغ (الاستئصال)، يقتصر هذا النوع من العلاج على تعديل نشاط الخلايا العصبية دون أي إتلاف، باستخدام موجات صوتية مركَّزة موجَّهة بالتصوير بالرنين المغناطيسي. ويتيح هذا الأسلوب للأطباء زيادة أو خفض النشاط العصبي في المنطقة المستهدفة حسب الحاجة العلاجية، دون أي شق جراحي أو خطر جراحي. وتجدر الإشارة إلى أن هذه التقنية مشابهة لتقنيات تُستخدم بالفعل في علاج بعض اضطرابات الحركة، مثل الرعاش الأساسي والرعاش المرتبط بمرض باركنسون، رغم أن تلك الاستخدامات تعتمد غالبًا على الاستئصال بدل التعديل.


نتائج المريض... وتأثير غير متوقَّع

استغرق الإجراء، الذي يُعرف بـ"الموجات فوق الصوتية المركَّزة منخفضة الشدة" (LIFU)، نحو 20 دقيقة فقط. وأفاد المريض، الذي عُرف باسمه الأول "H."، بانخفاض رغبته في التعاطي خلال الإجراء نفسه. وبعد أسبوع واحد، أظهرت فحوصات السموم نتيجة سلبية تمامًا، وانخفض مستوى "الرغبة الملحّة" (craving) من عشرة إلى صفر على مقياس مكوَّن من عشر درجات. كما لاحظ الأطباء أثرًا جانبيًا غير متوقَّع: تراجعت رغبة المريض في التدخين بشكل كبير من نحو ثلاث علب يوميًا إلى عدد قليل من السجائر فقط، وسُجّل تراجع مماثل في استهلاك الكحول، دون أي جهد إضافي من جانبه.


حالة فردية في إطار تجربة دولية أوسع

من المهم التوضيح أن هذه الحالة، على أهميتها، تمثّل أول تجربة من نوعها تُنجَز في إسرائيل، وليست تطورًا منفردًا أو معزولًا عالميًا. فالتجربة جزء من دراسة سريرية دولية تجريها شركة Insightec بالتعاون مع عدد محدود من المراكز الطبية في الولايات المتحدة، أبرزها جامعة وست فيرجينيا، التي بدأت أبحاثها في هذا المجال منذ عام 2021. وأظهرت نتائج أولية نُشرت في مجلة Frontiers in Psychiatry عام 2023، على عيّنة صغيرة من أربعة مشاركين، انخفاضًا بمعدل وسطي بلغ 91% في الرغبة الملحّة في تعاطي المواد الأفيونية، استمر لغاية 90 يومًا بعد الإجراء. ويبقى عدد المرضى الذين خضعوا للتجربة محدودًا جدًّا حتى الآن، وهو ما يجعل النتائج، رغم كونها مشجّعة، في حاجة إلى مزيد من البحث على عيّنات أكبر قبل تعميمها أو اعتمادها كعلاج معتمد رسميًا.


آفاق مستقبلية... وتحفّظ ضروري

إذا تأكدت فعالية هذه التقنية على عدد أكبر من المرضى، فقد يُفتح الباب أمام طائفة واسعة من التطبيقات المحتملة، حيث يتحدث الأطباء بالفعل عن إمكانية علاج إدمانات أخرى، وكذلك اضطراب الوسواس القهري، واضطراب ما بعد الصدمة، واضطرابات الأكل، وحالات الاكتئاب الحاد. وعلى المدى الأطول، يأمل الباحثون في الوصول إلى مناطق معرفية أعمق في الدماغ لمعالجة أمراض مثل الزهايمر وباركنسون، أو حتى اضطرابات الانتباه. ومع ذلك، يبقى من الضروري التذكير بأن هذه النتائج، وإن كانت مبشّرة، ما تزال في طور التجربة السريرية المبكرة، ولم تحصل بعد على الموافقات التنظيمية اللازمة لاعتمادها علاجًا متاحًا للجمهور العام، إذ تتطلب هذه العملية سنوات من الأبحاث الإضافية على عيّنات أوسع من المرضى.