مساء الأربعاء 24 يونيو 2026، ضرب زلزالان متتاليان الساحل الشمالي لفنزويلا: الأول بقوة 7.2 درجة، ثم بعد 39 ثانية فقط تبعه زلزال أقوى بلغت قوته 7.5 درجة. الهزتان كانتا من أعنف ما شهدته البلاد منذ أكثر من قرن، وأسفرتا عن سقوط 164 قتيلاً وإصابة نحو 1000 شخص. وفنزويلا، على عكس كاليفورنيا أو اليابان، لا تملك نظاماً وطنياً للإنذار المبكر بالزلازل.
ومع غياب هذه الشبكات، كان نظام «تنبيهات الزلازل في أندرويد» (Android Earthquake Alerts) التابع لغوغل هو ما أنذر آلاف السكان. أحد من تلقّوا التنبيه هو الكاتب الفنزويلي بيريكليس سانشيز من كاراكاس، الذي استلم تحذيراً على هاتفه قبل دقائق من وصول الهزة إلى منزله، فتمكّن من الخروج إلى الشارع في الوقت المناسب، ونجا منزله من أي ضرر.
كيف يحوّل غوغل هاتفك إلى محطة رصد زلزالي؟
تستند التقنية إلى حساسات التسارع (accelerometers) المدمجة في كل هاتف أندرويد، وهي نفس الحساسات الصغيرة التي تُستخدم عادة لتدوير الشاشة عند إمساك الهاتف بشكل جانبي. عندما يكون الهاتف ثابتاً وغير محمول، تصبح هذه الحساسات قادرة على رصد الموجات الأولية الأقل حدة التي يطلقها الزلزال، والمعروفة بـ«الموجات P»، والتي تسبق الموجات المدمّرة الأقوى المعروفة بـ«الموجات S» بثوانٍ إلى دقائق بحسب المسافة من مركز الزلزال.
حين يرصد الهاتف هذه الإشارة، يرسل بشكل مجهول الهوية إشارة مع موقعه التقريبي إلى خوادم غوغل. وحين تتلقى الخوادم إشارات مماثلة من عدد كافٍ من الهواتف في منطقة معينة في وقت متقارب، تُؤكد الخوارزميات وقوع الزلزال فعلياً، وتُقدّر موقعه وقوته بسرعة. ولأن هذه الإشارات تنتقل عبر الإنترنت بسرعة تقارب سرعة الضوء، أي أسرع بكثير من سرعة انتقال الموجات الزلزالية في القشرة الأرضية، يصل التنبيه إلى المستخدمين الأبعد عن مركز الزلزال قبل أن تطالهم الهزة، فيما يحصل القريبون من المركز على ثوانٍ أقل أو لا يحصلون على تحذير في بعض الحالات.
نظامان مختلفان حسب البلد
من المهم التوضيح أن غوغل لا تستخدم آلية واحدة في كل العالم. في ولايات كاليفورنيا وأوريغون وواشنطن الأمريكية، يعتمد التطبيق على نظام ShakeAlert الرسمي التابع للهيئة الجيولوجية الأمريكية، والذي يستند إلى أكثر من 1600 محطة رصد أرضية مخصصة، وهو نظام طوّرته جامعة بيركلي وشركاؤها عبر مشروع MyShake. أما في باقي دول العالم، بما فيها فنزويلا والهند والفلبين، فيعتمد النظام كليا على البيانات التي يجمعها بشكل تشاركي من الهواتف نفسها، دون أي محطات أرضية. وتجدر الإشارة إلى أن المعرفة العلمية التي بُني عليها نظام أندرويد طُوّرت بالتعاون مع باحثين من بيركلي، لكن أندرويد ليس امتداداً مباشراً لتطبيق MyShake، بل نظام مستقل يستثمر نفس الأساس البحثي.
كما تتفاوت التنبيهات نفسها في شدتها بحسب قوة الهزة المتوقعة: تنبيه «كن على دراية» (Be Aware) للهزات الخفيفة، يظهر كإشعار عادي ويخضع لإعدادات الصوت والوضع الصامت في الهاتف؛ وتنبيه «اتخذ إجراء» (Take Action) للهزات المتوسطة إلى الشديدة، والذي يتجاوز هذه الإعدادات، فيُضيء الشاشة بالكامل ويُصدر صوت إنذار عالٍ لجذب الانتباه فوراً. ولا تُصدر غوغل تنبيهات إلا للزلازل التي تبلغ قوتها 4.5 درجة على الأقل.
نظام أثبت نجاعته في تجارب سابقة
حادثة فنزويلا ليست الاختبار الأول لهذه التقنية. فقد استشهدت غوغل سابقاً بزلزال بقوة 6.7 درجة ضرب الفلبين في نوفمبر 2023، حيث أُصدر أول تنبيه بعد نحو 18.3 ثانية فقط من بدء الهزة، وحصل المستخدمون الأقرب إلى مركز الزلزال على تحذير وصل إلى 15 ثانية، فيما حصل الأبعد عن المركز على ما يصل إلى دقيقة كاملة، وشمل التنبيه نحو 2.5 مليون مستخدم. وبحسب دراسة نشرتها مجلة Science راجعت ثلاث سنوات من عمل النظام عالمياً، فإنه يرصد في المتوسط 312 زلزالاً شهرياً حول العالم، ويُصدر تنبيهات لنحو 60 زلزالاً شهرياً من قوة 4.5 درجة فأكثر، تصل إلى ما يقارب 18 مليون هاتف.
منذ انطلاقه في الولايات المتحدة عام 2020 عبر الشراكة مع ShakeAlert، ثم توسّعه عالمياً بدءاً من نيوزيلندا واليونان في أبريل 2021، يعمل النظام اليوم في نحو 98 دولة، وقد ارتفع عدد المستفيدين منه من 250 مليون شخص عند انطلاقه إلى أكثر من 2.5 مليار شخص حالياً، بحسب ريتشارد آلن، مدير مختبر بيركلي لعلوم الزلازل. وتؤكد غوغل أن هذا النظام لا يهدف إلى استبدال شبكات الإنذار الرسمية، بل إلى تكميلها، خصوصاً في الدول التي لا تملك أصلاً بنية تحتية لرصد الزلازل، كما هو حال فنزويلا.
ومع ذلك، يحرص خبراء مثل روبرت دو غروت من الهيئة الجيولوجية الأمريكية على التذكير بأن وجود أكثر من نظام تنبيه واحد يبقى أمراً مفيداً كخط دعم احتياطي، لأن أي نظام منفرد قد يفشل أو لا يصل إلى الجميع، خصوصاً في المناطق الريفية أو لدى من لا يحملون هواتفهم في لحظة الزلزال. وفي الأيام التي تلت زلزال فنزويلا، سجّلت الهيئة الفنزويلية لأبحاث الزلازل (FUNVISIS) ارتفاعاً بنسبة 300% في عمليات البحث المتعلقة بالسلامة من الزلازل وطرق الانبطاح والتغطي والتمسك، ما دفع غوغل إلى ربط تنبيهاتها بموارد الدفاع المدني المحلية لتوجيه المستخدمين نحو إجراءات عملية فور تلقي التحذير.
في النهاية، لا يستطيع نظام أندرويد التنبؤ بالزلازل قبل وقوعها، فالعلم لا يزال عاجزاً عن ذلك. كل ما يفعله هو كسب ثوانٍ معدودة بين لحظة بدء الهزة ولحظة وصولها إلى المستخدم، وهي ثوانٍ قد تبدو قصيرة، لكنها كفيلة، كما أظهرت تجربة فنزويلا، بأن تفرق بين النجاة والخسارة.

